أعلان الهيدر

الرئيسية مستويات العلاقة بين العلوم المختلفة

مستويات العلاقة بين العلوم المختلفة

مستويات العلاقة بين العلوم المختلفة
مستويات العلاقة بين العلوم المختلفة
تتركب العلوم بإطلاق بعضها على البعض الآخر، مباشرة وغير مباشرة. فأي علم يجد عناصره في علوم أخرى مختلفة، حتى ينتهي الأمر إلى العلم المتعلق بالبديهات والضرورات الأولية، والتي يهتم بها علم الفلسفة والمنطق. وقديماً كان الفلاسفة والمناطقة واعين لهذا البناء والتكامل بين العلوم المختلفة. ومن حيث التفصيل فإنه يمكن تحديد علاقة العلوم ببعضها حسب المستويات التالية:
1ـ التوازي :
وفيها ان العلوم بعضها يكافئ البعض الآخر، بغض النظر عن قابلية التأثر والتأثير فيما بينها. ومن ذلك التوازي الحاصل بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. ومن حيث التحليل فإن هذه العلاقة يمكن ارجاعها إلى غيرها من العلاقات كما يلي..
2ـ الاعتماد :
وفيها تتحدد العلاقة لدى جملة من العلوم وفقاً لاعتماد بعضها على البعض الآخر مباشرة من دون عكس، فلولا العلوم المعتمد عليها ما كان للعلوم الأخرى ان تقوم لها قائمة. ومن ذلك ان علم البايولوجيا قائم على الكيمياء والفيزياء، إذ ان الكثير من المشاكل البايولوجية لا تحل إلا عبر هذين العلمين. ومثل ذلك فإن الفقه قائم على علوم القرآن والحديث والرجال واللغة من النحو والصرف وما إلى ذلك. وهذا الاعتماد لا يمنع من تأثير العلوم المعتمِدة على تلك التي اعتمدت عليها. ومن حيث الدقة ان الاعتماد يجري من حيث العلم كذات وهوية، فمن هذه الناحية تحتاج بعض العلوم إلى غيرها في التأسيس ذاتاً من دون عكس. أما من حيث العلم المحقق فإن التأثير فيه قد يكون متبادلاً، وهو ان تتأثر العلوم المعتمد عليها بتلك القائمة عليها. ومثال ذلك ان هناك نظريات فيزيائية اعتمدت على الشفرات والطفرات الوراثية لتفسر بها التوالد المختلف بين الأكوان المتعددة، كالذي ذهب إليه الفيزيائي ليند ضمن نظريته في التضخم الكوني كما عرفنا.
3ـ الاختزال :
هناك من يبالغ في الأمر ويذهب ضمن النظرية الاختزالية، في رد وتفسير ما يرد في علم ضمن علم آخر، ومن ذلك إعتبار البايولوجيا فرعاً من فروع الفيزياء كالذي ذهب إليه العديد من العلماء، ومنهم الرياضي البريطاني روجر بنروز.
3ـ التأثير الخطي :
وفيها ان جملة من العلوم تؤثر على غيرها، وان كان الغير غير قائم عليها كلياً. ومن ذلك علوم الرياضيات في علاقتها بالفيزياء والكيمياء، فهي مؤثرة عليها تأثيراً كبيراً، لكن يمكن للفيزياء والكيمياء أن يعيشا ولو بشكل ناقص من غير تأثير للإفتراضات الرياضية. ونحن هنا ننظر إلى الفيزياء والكيمياء كهوية ذاتية بغض النظر عما هو متحقق. وكذا هو الحال في تأثير علم الكلام والعلوم الحديثة على علم الفقه.
4ـ التأثير المتبادل :
وفيها ان جملة من العلوم بعضها يؤثر على البعض الآخر بشكل متبادل. فمثلاً أن كلاً من علمي الفيزياء والكيمياء يؤثر على الآخر. لذلك امكن انشاء علم جامع مشترك هو علم الكيمياء الفيزيائية. وكذا الحال مع العلوم الإنسانية، فعلم السياسة يؤثر على علم الاقتصاد، والعكس صحيح أيضاً. وبالتالي فهناك علم الاقتصاد السياسي. وتعد مثل هذه العلوم من العلوم المتوازية.
5- التفسير :
وفيها ان بعض العلوم يمكنها تفسير غيرها وليس فقط التأثير عليها. فمثلاُ ان الفيزياء والكيمياء رغم انهما يؤثران على علم الحياة (البايولوجيا) لكنهما لا يفسرانها، في حين ان الرياضيات تفسر الفيزياء وليس فقط تؤثر عليها، إذ يمكن تحويل القوانين الفيزيائية إلى قوانين رياضية لتفسير مطالب الأولى. فمثلاً ان علاقة التحويل بين الطاقة والكتلة يمكن تفسيرها وفقاً لمعادلة رياضية كالتي جاء بها أينشتاين وغيره. فالرياضيات هنا وبحسب تعبير ادوارد ويتن هي وعاء مثالي للمفاهيم الفيزيائية.
6ـ التباعد :
وفيها أنه لا علاقة للعلوم بعضها بالبعض الآخر مباشرة، كعلاقة علم الرياضيات بعلم النحو أو الكلام مثلاً.
ويلاحظ أنه باستثناء العلوم المتباعدة، فإن أي تطور في بقية العلوم سوف يؤدي إلى تطور العلوم الأخرى المتأثرة بها أو المعتمدة عليها.
لكن السؤال الذي يرد بهذا الصدد: أي علاقة تجمع بين الفهم الديني وعلم الطبيعة بشكل عام؟
وقد يعود بنا هذا الأمر إلى تحديد طبيعة كل من العلم والفهم كما هو في ذاته وكما هو متحقق لنعرف طبيعة ما يرتبطان به من علاقة..
مستويات العلاقة بين العلم والفهم :
ليس لحديثنا هذا شأن بما يناقش حول علاقة العلم بالدين إن كانت علاقة تأييد أو تعارض. فما يذكر حول الدين لا يتعدى الفهم، ما لم يكن الأخير معبراً عن الدين ذاته من دون إحتمالات أخرى قائمة. وبالتالي فما يهمنا هو الفهم والنظرية لكل منهما.
ويمكن تحديد مستويات العلاقة بين العلم والفهم بنوعين من العلاقة، تارة على مستوى المضامين، وأخرى على مستوى القواعد الإجرائية كما يلي:
أ ـ المضامين :
على صعيد المضامين هناك اربع مسارات للعلاقة بين العلم والفهم كالتالي:
1ـ المسار المختلف:
وما يعنيه هذا المسار ان لكل من العلم والفهم قضايا ليس لها علاقة مباشرة بالاخر. أي ان لكل منهما نتائجه المستقلة دون ادنى علاقة. فقد نتصور مثلاً ان الكثير من الأحكام الفقهية والعقائدية في الفهم الديني معزولة عن التخصصات العلمية الصرفة. وهو لا يمنع من ان تكون غيرها لها علاقة بالعلم، مثل علاقة علم الفلك بالاستهلال، والكحول بنوعيه الاثيلي والمثيلي بالخمر.
2ـ المسار التأييدي:
وفيه يكون العلم أو الفهم مؤيداً ما لدى الآخر. وقد يكون العلم ومثله الفهم مورداً للإختلاف والنظريات، وقد ينشأ من ذلك التأييد النسبي لبعضها ازاء البعض الآخر. أو يحصل التأييد بين الشائع أو المتحقق لأحدهما أو لكلاهما مع الآخر. فمثلاً ان الشائع لدى العلم هو القول بحدوث الكون دون قدمه، وهو ذاته الشائع لدى الفهم الديني، فأحدهما يؤيد ما لدى الآخر بغض النظر عن التفصيل.
3ـ المسار التعارضي:
وفيه يعبر المسار عن وجود تعارض بين العلم والفهم. بغض النظر عما إذا كان أحدهما أو كلاهما شائعين أو محققين أو غير ذلك. ومنه التعارض المتعلق بهيئة الأرض إن كانت متحركة أو ساكنة. فالقدماء وبعض المعاصرين من المسلمين يعتقدون وفقاً للفهم الديني بأن الأرض ساكنة ثابتة، حتى ظهر عدد من الكتب الحديثة التي تؤكد هذا المعنى، مثل كتاب (الصواعق الشديدة في الرد على أصحاب الهيئة الجديدة) لحمود التويجري، وكتاب (هداية الحيران في مسألة الدوران) لعبد الكريم الحميد، وكتاب (نقض النظريات الكونية) لمحمد بن عبد الله الإمام، وكتاب (ثبات الأرض وجريان الشمس) لمحمد بن عمر الغريَّاني الطويرقي، إضافة إلى العديد من المقالات المستندة إلى الفهم القائم على القرآن الكريم والحديث النبوي واعتقادات العلماء القدماء، ومنها ما قاله عبد القاهر البغدادي في (الفرق بين الفِرق) بأن العلماء أجمعوا على الاعتقاد بسكون الأرض وثباتها.
ومثل ذلك التعارض المتعلق بالمدة التي استغرق فيها خلق السماوات والأرض وما تبقى من مدة، فكما ذكر ابن كثير بأن للمفسرين قولين في معنى الأيام الستة التي خلق الله فيهما السماوات والأرض كما في قوله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ))، فبعضهم ذهب إلى ان المقصود فيها كأيامنا هذه، وهو رأي الجمهور، في حين ذهب بعض آخر إلى ان كل يوم بألف سنة استناداً إلى قوله تعالى: ((وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ))، فالمجموع هو ستة آلاف سنة لا غير، وهو ما جاء عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب الأحبار وابن حنبل وابن جرير وطائفة من المتأخرين. كما اعتقد بعض بأننا في الألف السابعة الأخيرة التي سيتحتم بها يوم القيامة استناداً إلى الحديث النبوي: ‹‹إن استقامت أمتي فلها يوم، وإن لم تستقم فلها نصف يوم››. لكننا حالياً وصلنا إلى قريب من منتصف الألف الثامنة أو منتصف اليوم الثامن. وكل هذه التصورات والأفهام مما يعارض العلم والحقائق البينة.
وعلى هذه الشاكلة جاء في بعض آيات سورة (فصلت) ما يبدي لدى الفهم الديني بأن الزمن الذي خلق الله فيه الأرض يفوق الزمن الذي خلق فيه السماوات السبع، كما ورد بأن خلق الأرض بما فيها من رواسي وأقوات سابق لخلق السماوات، يضاف إلى أن هذه الآيات تلوّح بوجود شياطين في السماء الدنيا، وهي عرضة للقذف بالشهب لدحرهم، كالذي تفصّله بعض آيات سورة (الصافات).. وكل ذلك مما لا يتفق مع التقديرات الفلكية والعلمية.
كما ورد في بعض الآيات الكريمة أن عدد الشهور هي اثنا عشر شهراً للسنة منذ خلق الله السماوات والأرض كما في قوله تعالى: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض مِنْهَا أربعة حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)). وهو الحساب المعتمد عليه بالنسبة للأرض. وقد يعطي فهماً بأن الشهر ثلاثين يوماً أو قريباً من ذلك، وان السنة (365 يوماً) أو ما يقاربها. لكن ثبت بحسب التصور العلمي بأن سرعة الأرض تتباطأ، فوفقاً للساعات الذرية ان كل سنة تتباطأ جزءاً من الثانية، وانه قبل ملايين السنين بيّنت السجلات الجيولوجية ان معدل سرعة الأرض كانت (400) يوم في السنة، ولو توغلنا أكثر لكان عدد أيام السنة أكثر فاكثر باضطراد. وبحسب هذه النتائج يمكننا تقدير سرعة الأرض منذ تكونها قبل حوالي (4,5 مليار) سنة، فبحساب بسيط لو افترضنا ان سرعة الأرض تتباطأ ثانية واحدة كل سنة فإنه منذ نشأتها كانت سرعة الأرض تعادل حوالي (52448 يوماً) للسنة الواحدة، أي ان السنة الواحدة كانت تعادل (144 سنة) حالية، أو ان حوالي (144) دورة حول الشمس كانت تعادل دورة واحدة في الوقت الحالي. وكل هذه الحسابات لا تتفق مع كون السنة تعادل اثنا عشر شهراً إذا ما كان الشهر ثلاثين يوماً تقريباً، إذ وفق الحساب السابق تكون السنة وقت نشوء الأرض تعادل حوالي (4370 شهراً)، فكيف تكون السنة اثنا عشر شهراً وقت خلق الأرض وفق الآية الكريمة المشار اليها؟!. وبالتالي كان لا بد من إعتبار الشهر لا يساوي ثلاثين يوماً أو ما يقاربه آنذاك، بل كان حوالي (364 يوماً). فالشهر يساوي ما يقارب السنة مما نعدّ ونحسب!
وقد حصل في العالم المسيحي ما يشابه الحال السابق من التعارض، ليس فقط فيما يخص حركة الأرض كما هو معلوم، بل كذلك حول تاريخ خلق العالم كالذي تمّ فهمه مما جاء في الكتاب المقدس، فرغم الخلاف الحاصل حول هذا التاريخ إلا ان المسيحية البروتستانتية استقرت على الاعتقاد القائل بأن خلق العالم حدث (عام 4004 قبل الميلاد). ففي القرن السابع عشر قام رئيس الأساقفة (أشر) بجمع أعمار آباء الجنس البشري المذكورين في التوراة ليؤرّخ لخلق الأرض، فاعتبر أنه حدث على وجه الدقة في الساعة السادسة بعد ظهر يوم (22 اكتوبر عام 4004 قبل الميلاد). أما نائب رئيس جامعة كامبردج (الدكتور لاتيفوت) فلم يكتف بهذا التحديد، إنما اعتقد بأن الدراسة المتفحصة لسفر التكوين قمينة بأن تحدد هذا التاريخ بشكل أدق، فذهب إلى ان الإنسان قد تمّ خلقه في تمام الساعة التاسعة صباحاً من يوم (23 اكتوبر) من العام المشار اليه.
4ـ التأثير: هل قتل السيد أباه!
في قديم الزمان كان تأثير الفهم الديني على العلم ساحقاً، بل لم يكن للعلم وجود من غير هذا الفهم، واذا ما سلمنا بمراحل اوجست كونت التاريخية، فإن المرحلة الدينية هي الأولى، وقد كانت تحتضن كلا المرحلتين التاليتين في جوفها، بمعنى أنها تحتضن بذور التفكير الفلسفي أو التساؤلات الفلسفية، كما تحتضن بذور التفكير العلمي بشكله البسيط الساذج. فكان تأثير الدين، وبالاحرى الفهم، على العلم شاملاً ومطلقاً، ومع مرور الزمن أخذ العلم ينفصل شيئاً فشيئاً حتى تحول من لباس الدين إلى عباءة الفلسفة، فاصبحت الأخيرة الحاضنة له منذ فترة الاغريق، بل أنها اعادت ولادته بشكل آخر يتفق وطريقة تفكيرها، واستمرت هذه الفترة مدة طويلة حتى بدأ العلم يأخذ انفصاله شيئاً فآخر بالتدريج. ومع ان الفلسفة كانت الراعية للعلم منذ اليونان، لكن التأثير الديني لم ينقطع كلياً، فأخذ هذا التأثير تارة بمعزل عن الفلسفة، وأخرى بالامتزاج معها. ففي الغرب كانت الكنيسة هي الراعية للعلم والفلسفة معاً، فافكار ارسطو كانت تصنف ضمن المنظار الديني أيضاً.
هكذا فإن العلوم الطبيعية قد تأثرت بالفهم الديني، مثلما حصل العكس فيما بعد.
واليوم نرى ان تأثير العلم على الفهم الديني قوياً وهو ينعكس بدرجات مختلفة ندرجها كالتالي:
1ـ لقد أصبح من المسلم به لدى الغالبية الدينية ان ما جاء به العلم صحيح على خلاف ما كان يعتقد به من قبل، مثل حركة الأرض حول الشمس، خلافاً للمعتقدات القديمة.
2ـ هناك أمور علمية ظل يشوبها الشك لدى الغالبية الدينية، من قبيل نظرية داروين.
3ـ هناك قضايا علمية مازالت تمثل امراً مقبولاً نظرياً لدى الأوساط الدينية بقدر ما يراهن عليها العلم من دون ان تصل إلى مستوى القطع، مثل نظرية الإنفجار العظيم.
4ـ هناك قضايا يدّعى فيها السبق الديني على العلم، وانه ما من شيء يصل إليه العلم إلا ونجد للدين فيه السبق، ومن ذلك ما يظهر لدى ما يعرف بالتفاسير العلمية والاعجاز الديني أو القرآني أو حتى اعجاز الحديث النبوي، ومثل ذلك يقال في الكتب المقدسة لغير المسلمين.
فجميع هذه الصور هي نتاج التأثير العلمي على الفهم كما نشهده اليوم. لكن في القبال نسأل: هل يمكن للفهم ان يؤثر على العلم؟ أو على الأقل: هل قام بفعل ذلك حديثاً؟
فمن المؤكد اليوم ان للفلسفة تأثيراً على تقدم العلم أو التأثير عليه، كما يتجلى الحال في تأثير ذرة ديمقريطس على الكيمياء، ومن بعدها الفيزياء، وكذلك تأثير مبدأ الحتمية لأينشتاين في رفضه للنتائج الكوانتية، أو حتى عكس ذلك فيما لجأت إليه نظرية الكوانتم في فهمها للقوانين الطبيعية. فهذه نتائج واضحة للتأثير الفلسفي. وسؤالنا هو: هل للفهم الديني من تأثير مشابه؟
بطبيعة الحال سوف لا نعير أهمية للاتهامات غير الموثوقة التي تم توجيهها أحياناً ضد بعض العلماء بأن نظرياتهم هي نتاج للتأثير الديني، ومن ذلك ما أُتهم به أينشتاين من ان علمه في النسبية هو علم يهودي، رغم أننا لا نجد أي شبه بين الحالين. لكن للتأثير الديني اثر محسوس على العلم، يظهر تارة ويختفي أخرى، وهو على شاكلة اثر التنجيم على العلم خلال النهضة العلمية الحديثة، ومن ذلك كان نيوتن يستعين أحياناً بالتفسير الديني عند عجزه من تطبيق نظريته على بعض الظواهر الكونية، مثل إعتباره بأن الله يتدخل بين الحين والآخر ليعيد الكواكب الضالة إلى مسارها الطبيعي، كالذي اشرنا إليه في دراسة مستقلة.
ان من الاعتقادات الراسخة في الغرب اليوم هو ان الدين يظهر عندما تكون هناك ثغرات لم يتمكن العلم من ردمها أو تفسيرها، وبالتالي فكلما تقلصت الثغرات تقلص الدين، والعكس بالعكس. وقد دعا العالم الفيزيائي كولسن بعدم توفير فرصة لأن يكون هناك إله للثغرات. ومع أن فعل هذا الإله أخذ يتقلص منذ النهضة العلمية الحديثة، لكن من الصعب إعتباره قد انتهى كلياً. بل أكثر من ذلك نجد ان التصورات الحديثة للعلم أخذت تمتلئ بالمفاهيم الاسطورية بما لا يختلف عما قدمته الاساطير اللاهوتية والمفاهيم الدينية، وقد تكون نظرية الأوتار الفائقة ونظريات الأكوان المتعددة بارعة بهذا النمط من الاساطير. حتى ان منها ما يقترح إجابة شبيهة جداً بالطرح الديني، ولا يستبعد تأثرها به، وهي ان الكون قبل حدوث الإنفجار العظيم كان في فوضى دون أبعاد محددة من المكان والزمان أو غيرهما، وهو أمر يشابه ما يفيده الطرح الديني كما في العهد القديم، أو حتى لدى الفهم الاسلامي طبقاً لبعض الروايات.
لكن إذا كان للعلم فراغات كثيراً ما يملأها الدين أو الفلسفة، فإن العكس صحيح أيضاً، وهو ان هناك فجوات في الدين يعمل العلم على تسديدها، وما اكثرها في هذا المجال، فجميع القضايا المجملة في الدين نجد تفاصيلها لدى العلم حاضرة، وهي التي يعول عليها اولئك المهتمون بالتفسير العلمي للقرآن. بل قد يستبدل ما يمكن ارجاعه إلى الدين، وكذا الفلسفة، بالعلم. وبالتالي فهناك تأثير متبادل بين العلم والفهم الديني، فأحدهما يؤثر على الآخر، فالتفاسير العلمية القديمة مليئة بالتفاسير الدينية والفلسفية، ومن ثم تحول الأمر حديثاً فاصبح التأثير العلمي على الفهم الديني بيّن للغاية، كالذي يحفل به التفسير القرآني لقضايا الطبيعة وفقاً للنظريات والنتائج العلمية الحديثة، سواء كان ذلك وفقاً لقلب الفهم التراثي، أو وفقاً للتعمق وتفصيل الفهم. ومثلما كان من الصعب على العلم ان يؤثر في الفهم قديماً، فإنه قد انعكس الحال فأصبح من الصعب ان يكون الفهم مؤثراً في العلم حديثاً. وكأن التأثير خطي باتجاه أحدهما للآخر من غير تبادل.
وأشير إلى ان عدداً من الباحثين المسلمين في الشأن العلمي لهم محاولات لطرح نظريات جديدة مستمدة من التأثير القرآني. فمثلاً ان لبعض الباحثين العراقيين نظرية هي على عكس ما حاول كالوزا ان يثبته وهي رد المجال الكهرومغناطيسي للمجال الثقالي أو الجاذبية، فبنظره ان جميع القوى والمجالات تعود إلى القوة الكهرومغناطيسية، استناداً إلى تأثير الآية القرآنية الكريمة ((وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)).. والتي فيها إستنتج بأن الزوجين هما زوج بزوج، والنتيجة أربعة بما يتفق مع القوتين الكهربائية والمغناطيسية، فلكل منهما زوج من شحنات التجاذب والتنافر، والناتج أربعة شحنات أو قوى، وكل ما يعود إلى غيرها يرد إليها، كالثقالة وحتى القوتين الضعيفة والشديدة. ووفقاً لهذا المعنى من الآية فإنه مضطر لتأويل سائر الآيات التي تتضمن لفظ الزوجين بما يدل على الأربعة، وهي خمس آيات كالتالي: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)).. ((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)).. ((وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)).. ((وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى)).. ((فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى)).
ب ـ القواعد الإجرائية
كانت تلك هي أبعاد العلاقة بين العلم والفهم على مستوى المضامين. أما على مستوى القواعد الإجرائية، فيمكن ان نتساءل عما إذا كان بين الفهم والعلم نوع من التقارب والتأثير، أم ان لكل طريقته الخاصة المستقلة؟ وهو سؤال يتطلب التفكير في امرين، أحدهما يتعلق بالكشف عن الارتباطات والتأثيرات التي تنتابهما مما هو جار في واقع التفكيرين. أما الآخر فيرتبط بمد الجسور في الربط بين التفكيرين من خلال استعارة بعض القواعد والمفاهيم من أحدهما إلى الآخر. فالعنصر المشترك بينهما هو استخدام الأدلة الممكنة للكشف عن الموضوع الواقع تحت البحث، فهو الكون لدى العلم، والنص لدى الفهم. لذلك ستتنوع العلاقة بين العلم والفهم على مستوى القواعد الإجرائية للكشف وفقاً للامرين السابقين كالتالي:
1ـ الإشتراك في القواعد والمفاهيم :
هناك قواعد مشتركة قد تم تحديدها وتطبيقها في الغرب ضمن العلوم الطبيعية، وانها ايضا كانت محددة قبل ذلك لدى المسلمين وطبقوها على النص بما يعرف لدى الأصوليين بمسالك القياس، ومن ذلك السبر والتقسيم والطرد والدوران وتخريج المناط... الخ. فمن الناحية المنهجية كان الأصوليون القدماء يطبقون حالات الكشف في القياس هي ذاتها قد استخدمت للكشف في المجال العلمي. وان ما جاء به الكثير من الفلاسفة المحدثين والعلماء المتأثرين بهم كان قد تم على وفاق من البحوث الأصولية المختصة بالقياس ومسالكه. كذلك فإن أهم القواعد المستخدمة في المنهج العلمي والفهم الديني هي قاعدة الإستقراء. وقد كان الشاطبي من القلائل القدماء الذين اشادوا بالعمل بهذه القاعدة وتطبيقها في الفهم، وهي من القواعد المنطقية المعروفة لدى الفلاسفة القدماء.
2ـ إمكانية الاقتباس :
نرى ان قواعد ومفاهيم مثل الفرض والبساطة والنماذج الإرشادية والإختبارات الشاقة وغيرها مما يعول عليها في العلم وفلسفته، تصلح للاقتباس والتوظيف في الفهم الديني.
لكن هل يمكن فعل العكس، وهو اقتراح قواعد ومفاهيم مستخدمة في الفهم لتشكل أدوات صالحة للتوظيف في العلم؟

هذا هو السؤال الصعب.. وسنقدم تصوراتنا حوله في دراسة مستقلة..

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.

Fourni par Blogger.