أعلان الهيدر

الرئيسية الفكاهة و الهزل في القص العربي القديم

الفكاهة و الهزل في القص العربي القديم


الفكاهة و الهزل في القص العربي القديم
الفكاهة و الهزل في القص العربي القديم
عرف العرب الفكاهة، كما عرفتها الأمم الأخرى، وبخاصة بعد فتحهم العراق وفارس والشام ومصر، حيث تأثروا بما لدى تلك الأمم من حياة اجتماعية وثقافية جديدة، جعلتهم يصيرون إلى شيء من حياة الترف والبذخ، قادتهم إلى الاهتمام بألوان الفكاهة والترويح المختلفة، وقد شغف الخاصة والعامة على حدٍّ سواء بمجالس القصص والحكايات والهزل والنوادر.
وقد ظهرت في التراث العربي كثير من الشخصيات الفكاهية، وقد اشتهر منها أشعب وأبودلامة وأبو العِبَر. وتناول كثير من الأدباء العرب الفكاهة، لما لها من مزايا، واتخذ التأليف في هذا الباب صورتين: فريق من الكتاب عرض للفكاهة في ثنايا كتبه، كما فعل الجاحظ في كتاب الحيوان، وأبوحيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة، وأبو الفرج الأصفهاني في كتابه: الأغاني، وغيرهم.
وهناك فريق آخر من الكُتَّاب، أفردوا الفكاهة بكتب خاصة، منهم: الجاحظ في كتابه: البخلاء وأبو الطيب محمد بن إسحاق الوشاء، في كتابه: الموشى أو الظَّرف والظُّرفاء. وأبو منصور الثعالبي في كتابه: لطائف اللطف. وأبو الفرج عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي في كتابيه: أخبار الحمقى والمُغفلين، وأخبار الظُّراف والمُتماجنين، والخطيب البغدادي في كتابه: التطفيل وحكايات الطُّفيليين وأخبارهم ونوادر كلامهم وأشعارهم.
هي لون هزليٌ أدبيٌ موجه، يقوم على النقض المضحك أو التجريح الهازئ، معتمداً على أساليب ووسائط فنية مختلفة). والأساليب والوسائط التي يمكن أن توظف لصنع الوجه الساخر في الكلام كثيرة، ومنها: الصورة، والمبالغة الفنية، والتصوير الكاريكاتوري، والحوار، والحكاية، والمفردة ونحو ذلك. فالسخرية بهذا قد تكون في الشعر وقد تكون في النثر، وقد تكون لوناً أدبياً مميزاً في أدب أديب أو أمة، وقد تكون مجرد اتجاه يطبع الأسلوب بطابعه عند هذا الأديب أو ذاك.
وبالنسبة للتداخل بين السخرية والفكاهة فإنه لا يقف هذا على بعض الصحفيين أو المهتمين بالأدب فحسب، بل يتعدّاهم إلى كثير من الأدباء والأكاديميين ممن عنوا بالفكاهة والسخرية في الأدب؛
و من الأدباء من يذهب إلى أن دراسة التناقض الفكاهي و الدباعة و المزاح و الهزل و التهكم و السخرية على ان جميعها فكاهة , لان كاتبها يريد بها الفكاهة مهما اختلف الاسم. لكن الفكاهة شيء والسخرية شيء آخر. ويبدو أن منشأ الخلط بينهما يعود إلى النظر إلى «الضحك» بصفته الغاية الكبرى والأساسية من الفكاهة والسخرية على حد سواء. وهذا التصور أدى بطبيعة الحال إلى تجاهل الفروق اللغوية والنفسية والدلالية الدَّقيقة الأخرى، ولهذا فإنه لا ينبغي أن يُذهب إلى إنكار الصلة الوثيقة بين السخرية والفكاهة وبين الإضحاك؛ فصاحب السخرية كصاحب الفكاهة محتاج إلى شيء من خفّة الروح، ولكن هذه الخفة في «الفكاهة» بريئة من المعنى الخفي، وغايتها المرح والانشراح. أما السخرية فإنها غير بريئة منه سواء أكان ذلك ظاهراً جليًّا، أم خفيًّا لا يدرك إلا بمزيد عناية وتأمل.
إن الضحك المنبعث من الفكاهة ضحك سارٌ ومبهج، لكن السخرية مؤلمة موجعة، كئيبة ولو انبعث منها أو معها الضحك فإنما هو ضحك حارٌ كالبكاء ـ كما يقول الشاعر المتنبي ـ. والسخرية بعد ذلك شعور عميق لاصق بطباع الإنسان؛ ينبعث من أعماق نفسه، ومن ثمّ فهي موقف فكريٌ فردي تجاه الأشياء والموجودات؛ لذا يندر أن تعمّ السخرية فتصبح شعوراً ينتظم الجماعة برمتها، بل إن الجماعة تحتوي السخرية ولا تستطيبها.
أمّا الفكاهة والمضاحكة فشيء سطحيٌ وعارض، وإن رفدهما حسٌ مرهف ونفس مرحة طروب، والضحك سلوك اجتماعي لا يمارسه الإنسان إلا مع الجماعة، والفكاهة ظاهرة تستطيبها الجماعات وتفسح لها مجالسها، وتختفي بها وتهمشُّ لأصحابها مهما بلغت من الجدّ والوقار.
كما أن السخرية شيء غير الهجاء برغم الصلة الكبيرة بينهما، وكثيراً ما يستخدم الهجاء أدوات السخرية وينهج نهجها، ولكن يبقى بينهما خلافٌ بين وإن اتفقا في الدوافع والبواعث؛ فالأديب حين يسخر «يتناول بعد ما بيّن الأشياء والطبيعة، ويركض في حلبة يتقابل عند طرفيها الواقع من ناحية ومُثل الكمال من ناحية أخرى. وقد يفعل ذلك جاداً أو متفاكهاً مداعباً، أي أنه قد يستوحي إرادته ومشاعره أو يستملي عقله؛ فإن كانت الأولى فهو هاجٍ منتقم، وإن كانت الثانية فهو ساخر...
أنواع الفكاهة
تأخذ الفكاهة الكلامية عدة أشكال، فقد تكون هذه الفكاهة لطيفة ورقيقة أو قد تكون فظّة ولاذعة ولايوجد فرق واضح بين مختلف أنواع الفكاهة هذه.
1-الظرف. يختلف هذا النوع عن معظم الفكاهة في كونه يعتمد على خلفية ذهنية ورصيد من الخبرة في الحياة اليومية أكثر من اعتماده على أوجه التضارب التي تنشأ بطبيعة الحال في كثير من المواقف، ومعظم الفكاهة تجلب الابتسامة ولكن الظّرف ما يجعل الناس
ينخرطون في ضحك فجائي.
2-التهكّم. يُظْهِر التهكُّم الضعف الإنساني ويجعل منه موقفاً مضحكًا. ويحاول التهكّم عادة أن يعالج الحماقة بأن يجعل الناس يضحكون عليها.
3-السخرية. وهي أكثر قسوة من التهكم إذ إنها غالبا ما تأخذ شكل خطاب لاذع.
4-الفكاهة التهكّمية. وتحمل في طيّاتها عكس ما يبدو منها ظاهريا. فقد تبدأ هذه السخرية مديحًا أو حديثًا عاديًا، ولكنها تخفي وراء ذلك نقدا لاذعاً. ويتم التعبير عن التورية التهكّمية عادة بوساطة نبرة صوتية معيّنة، كما أنها غالبا ما تكون تعبيرا عن واقع الأمر بصورة تخفف من وطأة تأثيره.
5-المحاكاة التهكّمية والساخرة. وهي تغيير كلمات الشخصية و اخذها على غير معناها لخلق نتائج كوميدية.
6-المحاكاة. وهي تقليد لعادات شخص آخر أو حركاته أو حديثه من أجل خلق أثر كوميدي.
فوائد الفكاهة والضحك
أشارت دراسات عدة إلى وجود فوائد كثيرة للفكاهة والضحك في الحياة الاجتماعية يمكن تلخيصها فيما يلي: تقوية التعاون الاجتماعي، وتنشيط العقل والإبداع والخيال، وفهم مطالب الآخرين والتفاعل والتواصل مع الناس، والتقرب إليهم وكسبهم في العمل العام، ومقاومة الاكتئاب والقلق والغضب.
والفكاهة تشتمل على ثلاثة مكونات هي المعرفي والوجداني والنزوعي. والشخصيات تصنف إلى نوعين أحدهما يهتم بالعلاقة مع الآخرين، وانطوائيون يتجنبون هذه العلاقات. ومعظم الناس يقعون في منطقة وسطى مع ميل خاص إلى إحدى الفئتين، والشخصيات الاجتماعية تميل إلى التفاعل والاستمتاع بالحياة وسرعة الاستجابة وتميل إلى العدوان، والشخصيات الانطوائية تميل إلى الهدوء والتحفظ وتبتعد عن المناسبات الاجتماعية.
ويتفاوت الناس في ميلهم إلى الضحك والفكاهة، وفي بعض حالات الفصام والتخلف العقلي يضحك الفرد على نحو مستمر، وفي حالات الاكتئاب الشديدة قد لا يضحك الفرد البتة.
ويستمتع الأشخاص الأكثر ميلا إلى الاتزان الوجداني بالفكاهة أكثر من الانفعاليين، وهناك انطوائيون يستمتعون بالفكاهة أكثر، ويتدخل العمر في علاقة الشخصية بالفكاهة، وتكون ذروة الميل إلى الضحك في سن المراهقة ويسمى سن القهقهة، وتميل الإناث إلى الضحك أكثر من الذكور.وقد تكون الفكاهة تعبيرا عدوانيا وعند اكتشاف ضعف الآخرين أو للاستمتاع بتقليل شأن الآخرين، وقد وجد أن الرسوم الكاريكاتورية الأكثر عدوانية  تكون أكثر إمتاعا وطرافة من غيرها..
أساليب الإضحاك في مقامات الهمذاني
المَقامات فن قصصي في الأدب العربي أنشأه بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري. والمقامة لغةً تعني المجلس، ثم تطوّرت دلالتها لاحقًا فأصبحت تعني الحديث الذي يُلقى على الناس، إما بغرض النصح والإرشاد وإمّا بغرض الثقافة العامة أو التّسوّل. ثم اكتسبت أخيرًا دلالتها الاصطلاحية المعروفة.والمقامة الفنية أو البديعية، كما أجمع النقاد على تعريفها، أقرب ما تكون لقصة قصيرة مسجوعة بطلها نموذج إنساني مُكد ومتسوّل. وللمقامة راوٍ وبطل، وهي تقوم على حدث طريف، مغزاه مفارقة أدبية أو مسألة دينية أو مغامرة مضحكة تحمل في داخلها لونًا من ألوان النقد أو الثورة أو السخرية، وضعت في إطار من الصنعة اللفظية والبلاغية.وعلى الرغم من أن نشأة المقامة مرتبطة ببديع الزمان، إلا أن ريادته لهذا الفن القصصي مازالت موضع خلاف بين الدّارسين. ففريق منهم يذهب إلى أن بديع الزمان لم يبتكر هذا الفن وإنما سبقه إليه كُتّاب آخرون مثل ابن دريد، وابن فارس، والجاحظ وغيرهم. أما الفريق الآخر فيعتقد أن بديع الزمان هو المبتكر الحقيقي لهذا الفن وأنه لم يُسْبق إليه. وربما كان الرأي الأقرب إلى الصواب هو أن بديع الزمان قد استعان بكثير من أشكال الكتابات القصصية التي سبقته وتأثر بمضامينها ليُخرج فن المقامة في شكله النهائي الذي لم يطرأ عليه أي تغيير يُذكر إلى يومنا هذا.ظلت مقامات بديع الزمان الهمذاني الاثنتان والخمسون أنموذجًا يحتذيه كتّاب المقامات الذين جاءوا من بعده. وأول هؤلاء وأشهرهم الحريري الذي كتب مقاماته المشهورة واعترف بريادة بديع الزمان لهذا الفنثم تبعه عدد كبير من الكتّاب القدامى والمُحدثين فكتبوا في هذا الفن، من أبرزهم الزمخشري وجلال الدين السيوطي من المشارقة، والسرقسطي من الأندلسيين. وأما المحدثون فأهمهم اليازجي والمويلحي.يقوم الإطار الفني للمقامة على شخصيتين رئيسيتين مختلفتين هما: شخصية الراوي وشخصية البطل. فالراوي ـ الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية متوسطة هو الذي يمهّد ـ غالبًا ـ لظهور البطل، يتابعه حيثما حل، وهو في كل هذا يُحْسِن طريقة تقديم البطل الذي يكون عادة شخصية ساخرة فصيحة ذكية بليغة تنتمي إلى طبقة اجتماعية متدنية، ولديه قدرة عجيبة على التّنكّر، فهو يجيد لبس الأقنعة، فتارةً نراه ناسكًا واعظًا وأخرى نديم كأس، ومرة ثالثة فقيهًا وهكذا. وهو في كل هذه الأحوال يعتمد على الفصاحة والذكاء والحيلة والخداع لنيل هدفه ممن ينخدعون بمظهره.وبالرغم من أن التّسوّل من أهم موضوعات المقامة، إلا أنها ليست الموضوع الرئيسي لها، وإن كانت صنعة ملازمة للبطل؛ فقد عالجت المقامة موضوعات شتى مثل النقد بأنواعه المختلفة : الأدبي والمذهبي والاجتماعي، وفيها التعليم اللغوي والأسلوبي، والوعظ والإرشاد، والحيلة والأدب والألغاز.تعتمد المقامة في أسلوبها على قالب السجع، وعلى الإكثار من استخدام المحسّنات البديعية واللفظية بأنواعها المختلفة، وعلى توظيف الغريب كما هو الحال في مقامات الحريري بصفة خاصة.وحاول بعض الباحثين أن يربطوا بين المقامة وبعض الأجناس الأدبية الحديثة مثل القصة القصيرة والرواية والمسرحية، إلا أن المقامة وإن شَابهت هذه الأجناس في بعض خصائصها، فستظل هذه المشَابهة سطحية. فالمقامة ليست أيّا من هذه الأجناس الثلاثة، إنها جنس قصصي عربي قائم بذاته.ولفن المقامة أهمية خاصة في مجال الأدب المقارن، فقد قلَّدها بعض الكتّاب الفُرس، كما يُعتقد أنها أسهمت في ظهور رواية المُكْدِين التي ظهرت في أسبانيا في القرن السادس عشر الميلادي، ثم شاعت في أوروبا لتصبح مقدمة لظهور الرواية النثرية بمفهومها الحديث، نظرًا للتشابه الكبير بين البيكارو بطل رواية المكدين الأسبانية وبين أبي الفتح الإسكندري وأبي زيد السروجي، بطلي مقامات بديع الزمان والحريري.
الإضحاك , هل هو للضحك ؟
يوجد فرق واضح بين الأدب الهزلي المضحك وبين الكوميدي الساخر، مبني على أن الأول للترفيه فقط والثاني يقوم على فلسفة تصيّد أخطاء النفس، أقوالاً وأفعالاً، ونقدها بطريقة لاذعة قد تكون أبعد مدى ودلالة وآثاراً من المأساوية وفيما يمكن أن يُطلق على بعض نماذجه: الكوميديا السوداء وبما يتفوق أحياناً - في تحقيقه لأهدافه - على كثير من الأدب الجاد والثقافة العميقة.
الأدب الهزلي المضحك، أو أدب «النكُتة» لا يزيد عن كونه ممازحة بين شخصين لغرض التسلية أو استخفاف بعقل المتلقي البسيط - وليس له أي فائدة تعود على الناس - وإسفاف ومضيعة للوقت، وبخاصة عندما يتم نشره وتداوله على أنه فنٌ أو ثقافة، ويفتقر إلى وجود أضعف جسر من جسور الثقة المبنية على احترام أُطر المثاقفة ومكانة الوعي، وأصدق مثال على ذلك مشاهد الكمرة الخفيّة.
 

Aucun commentaire:

Publier un commentaire

Fourni par Blogger.