أعلان الهيدر

الإنسان و الطبيعة


الإنسان و الطبيعة
الإنسان و الطبيعة
﴿قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرَّاً وَعَلاَنِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَالٌ 31 اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الاَْنْهَرَ 32وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ33 وَءَاتَيكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلُْتمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ34﴾
التّفسير: عظمة الإنسان من وجهة نظر القرآن:
تتحدّث هذه الآيات عن برنامج عباد الله المخلصين والنعم النازلة عليهم، يقول تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا ممّا رزقناهم سرّاً وعلانية) قبل أن يأتي ذلك اليوم – يوم القيامة و الحساب - الذي لا يستطيع فيه الإنسان من التخلّص من العذاب بشراء السعادة والنعيم الخالد، ولا تنفع الصداقة حينئذ (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال).
ثمّ تتطرّق الآية إلى معرفة الله عن طريق نعمه، معرفة تؤدّي إلى إحياء ذكره في القلوب، وتحثّ الإنسان على تعظيمه في مقابل لطفه وقدرته، لأنّ من الأُمور الفطرية أن يشعر الإنسان في قلبه بالحبّ والودّ لمن أعانه وأحسن إليه.
ويبيّن هذا الموضوع من خلال عدّة آيات (الله الذي خلق السّماوات والأرض وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم).  ثمّ أنّه (وسخّر لكم الفلك) سواء من جهة موادّها الأوّلية المتوفّرة في الطبيعة، أو من جهة القوّة المحرّكة لها وهي الرياح التي تهب على البحار والمحيطات بصورة منتظمة لتسيير هذه السفن فتنقل الإنسان وما يحتاج إليه من منطقة إلى أُخرى بيسر وسهولة: (لتجري في البحر بأمره).   (وسخّر لكم الأنهار) كي تسقوا من مائها زروعكم، وتشربوا أنتم وأنعامكم، وفي كثير من الأحيان تكون طريقاً للسفن والقوارب، وتستفيدون منها في صيد الأسماك.
أتدبر الآيات :   1- الصلة بالخالق والصلة بالخلق
نواجه في هذه الآيات مرّةً أُخرى وفي تنظيم برنامج المؤمنين الصادقين مسألة "الصلاة" و "الإنفاق"، وفي البداية قد يطرح هذا السؤال، وهو: كيف أشار القرآن الكريم لهاتين المسألتين من بين جميع البرامج العمليّة للإسلام؟ العلّة في ذلك أنّ للإسلام أبعاد مختلفة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط: علاقة الإنسان بربّه، وعلاقته بخلق الله، وعلاقته بنفسه، وهذا القسم الأخير في الحقيقة نتيجة للقسم الأوّل والثاني، فالصلاة والإنفاق كلّ واحدة منهما رمز للعلاقة الأُولى والثانية.
2 - لماذا السرّ والعلانية؟
نقرأ مراراً في آيات القرآن أنّ المؤمنين ينفقون أو يتصدّقون في السرّ والعلانية، وبهذا الترتيب فإنّه تعالى مع ذكره للإنفاق يذكر كيفيّة الإنفاق، لأنّه يكون مرّةً في السرّ أكثر تأثيراً وكرامة، ويكون مرّةً أُخرى في الجهر سبباً في تشجيع الآخرين وإقتدائهم في إقامة الشعائر الدينيّة.
3 -  كلّ الموجودات تحت إمرة الإنسان!
نواجه في هذه الآيات مرّةً أُخرى تسخير مختلف الموجودات في الأرض والسّماء للإنسان، وقد قسمت إلى ستّة أقسام: تسخير الفلك، والأنهار، والشمس، والقمر، والليل، والنهار.
ونرى أنّ قسماً من هذه المسخّرات من السّماء، وقسماً آخر من الأرض، وقسماً ثالثاً من الظواهر بين الإثنين (الليل والنهار).
"فالشمس": تسطع له بالنّور، وتعطيه الحرارة، وتساعد على نمو النباتات له، وتطهّر محيطه من الأمراض، وتخلق له البهجة والسرور، وتعلّمه الحياة.
وأمّا "القمر": فمصباح في ليله المظلم، ومفكرة طبيعيّة دائمة، ومن آثاره تتكوّن ظاهرة الجزر والمدّ لتحلّ كثيراً من مشاكله، فتسقي الأشجار (بسبب إرتفاع منسوب المياه في الأنهار المجاورة للبحار) وتتحرّك مياه البحار الراكدة كي لا تتعفّن، وليدخل الأوكسجين فيها بسبب الأمواج ليكون تحت تصرّف الكائنات الحيّة.
"الرياح": تؤدّي إلى حركة السفن في المحيطات حيث تشكّل أكبر واسطة نقل وفي أوسع طريق للإنسان، بحيث تستطيع - أحياناً - أن تدفع سفينة بحجم مدينة صغيرة بكامل أفرادها وتنقلها في المحيطات.
"الأنهار": تجري في خدمة الإنسان، تسقي زرعه، وتروي مواشيه، وتجعل محيطة ذا طراوة، وتربّي له الأسماك لتغذيته.
"ظلام الليل": حيث هو سكن للإنسان، ويمنحه الطمأنينة والراحة، ويخفّف من حرارة الجو الملتهبة في النهار.
وأخيراً "ضياء النهار": يدعوه إلى الحركة والسعي، ويخلق له الدفء والحرارة.
والخلاصة: إنّ كلّ ما على الأرض وحولها لنفع الإنسان، وبيان هذه النعم وشرحها يمنح الإنسان شخصية جديدة، وتفهمه عظمة مقامه وتبعث فيه الإحساس بالشكر أكثر.
ونستفيد أيضاً من هذا البيان أنّ للتسخير في لغة القرآن معنيان:
الأوّل: التسخير لخدمة الإنسان وتحقيق منافعه ومصالحه (كتسخير الشمس والقمر).

والثّاني: التسخير الذي يكون زمام اُموره بيد الإنسان (كتسخير الفلك والبحار).
5 - دائبين
"دائب" من مادّة "الدؤوب" بمعنى إستمرار العمل طبقاً للعادة والسنّة، فالشمس لا تدور حول الأرض، بل الأرض تدور حول الشمس، ونحن نظنّ أنّ الشمس تدور حولنا، وهذه الحركة ليست المقصودة في معنى "دائب" بل الإستمرار في إنجاز العمل يدخل في مفهوم الدؤوب، ونحن نعلم أنّ الشمس والقمر لهما برنامج في انبعاث النّور وما يتبعه من توقّف الحياة على الأرض عليه بشكل مستمر وفي غاية من الدقّة (وهناك حركات أُخرى للشمس كما يقوله العلماء، منها الحركة حول نفسها، وحركتها مع المجموعة الشمسية).
6 - هل يُعطينا الله كلّ ما نطلب منه؟
قرأنا في الآيات أعلاه أنّ الله عزّوجلّ لطف بكم وأعطاكم من كلّ ما سألتموه ("من" في الآية تبعيضيّة) وذلك بسبب أنّ كثيراً ممّا يطلبه الإنسان من ربّه قد يعود عليه بالضرر والهلاك، ولكنّ الله حكيم وعالم ورحيم فلا يستجيب لمثل هذه الطلبات، وفي المقابل نرى في أكثر الأحيان أنّ الإنسان لا يطلب شيئاً بلسانه، ولكن يتمنّاه بفطرته ووجدانه فيستجيب الله له، وليس هناك مانع من أن يكون السؤال في جملة (ما سألتموه) شاملا للسؤال باللسان والسؤال بالفطرة والوجدان.
7 - لماذا لا تُحصى نعماؤه؟
نعم الله - في الحقيقة - تعمّ كلّ وجودنا، وإذا ما طالعنا الكتب المختلفة في العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة والنفسيّة وأمثالها فسوف نرى إلى أي مدى تتّسع أطراف هذه النعم، وفي الحقيقة إنّ لكلّ نَفَس يتنفّسه الإنسان نعمتان، ولكلّ نعمة شكر واجب.
وأكثر من ذلك فنحن نعلم بأنّ متوسّط عدد الخلايا الحيّة في جسم الإنسان نحو العشرة ملايين ميليارد، وكلّ مجموعة تشكّل قسماً فعّالا في الجسم، وهذا العدد كبير جدّاً بحيث لو أردنا إحصاءه نحتاج إلى مئات السنين!
فهذا قسم من نعمه علينا، ولذلك - حقّاً - لا نستطيع عدّ نعمه، (وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها).

ويوجد في دم الإنسان مجموعتان من الكريّات (وهي خلايا صغيرة سابحة في الدم ولها وظائف حياتية مهمّة) ملايين من "الكريّات الحمراء" وظيفتها إيصال الأوكسجين لأجل الاحتراق وصنع خلايا الجسم، وملايين من "الكريات البيض" وظيفتها حفظ سلامة الإنسان مقابل هجوم المكروبات، والعجيب أنّ هذه الكريات في حالة حركة مستمرة لخدمة الإنسان.
فهل نستطيع في هذه الأحوال أن نحصي نعمه تعالى غير المتناهية؟!
8 -  إنّ الإنسان ظلومٌ وكفّار
سخّر الله للإنسان جميع الموجودات، وهيّأ له كلّ هذه النعم بحيث سدّ جميع احتياجاته، ولكن الإنسان بسبب ابتعاده عن نور الإيمان والتربية، نراه يخطو في طريق الظلم والطغيان ويكفرُ بالنعم.
ويسعى المحتكرون في احتكار النعم الإلهيّة الواسعة والسيطرة على منابعها الحياتية، مع أنّهم لا يستهلكون إلاّ الشيء القليل ويحرمون الآخرين منها، ويظهر هذا الظلم بأشكال مختلفة من السيطرة على الشعوب الضعيفة واستعمارها والتجاوز على حقوق الآخرين، فيعرّض الإنسان حياته الهادئة إلى الهلاك، يخلق الحروب، ويسفك الدماء، ويقضي على الأموال والأنفس.
وفي الحقيقة فانّ القرآن الكريم يناديه: أيّها الإنسان، كلّ شيء بالقدر الكافي تحت تصرّفك، بشرط أن لا تكون ظلوماً كفّاراً، عليك أن تقنع بحقّك ولا تتجاوز على حقوق الآخرين.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Fourni par Blogger.