أعلان الهيدر

الرئيسية تقنية التعبير في مقامات الهمذاني

تقنية التعبير في مقامات الهمذاني


تقنية التعبير في مقامات الهمذاني
تقنية التعبير في مقامات الهمذاني
hhhhhhhhhhhh
الملخص:
إن فن المقامة فن خاص فلا هو بالحکاة و لا هو بالقصة، عل رغم اشتمال المقامة عل عناصرهما و من الظلم محاکمة المقامة بمعار حدثه کما أنه من ظلم إغماط المقماط حقها من ابتکار نسق نثري فرد.
و قد کون هذا المقال بقصد الإثارة ولفت الانتباه والرغبة في إظهار القدرة الفائقة عل الإتان بکل مدهش.في مقامات بدع الزمان من حث إجادة استخدام الصور البانة والمحسنات اللفظة و احاناً المبالغة أو الإفراط في ذلک ما قود إل صور متکلفة و تعابر زائدة و مصطلحات تراد لذاتها لاتضف و لاتَجمّل، و إنّما جاءت لمجرد إظهار القدرة اللغوة و التفاخر بالقدرة عل الإتان بالمترادف و المتضاد.
الکلمات الدالة:
التقنة- التعبر- المقامات- الرموز.
المقدمة:
كتب "الهمذاني" في رسالة له جوابًا عن كتاب للوزير "الإسفرائيني": "وخلة أخرى وهي أني مفتون بكلامي، معجب بصوب أقلامي، وذوب أفكاري، فلا أزفه إلا لمن يعتقد فيه اعتقادي، ويميل إليه كفؤادي، وينظر إليه بعين رأسي". []نحن- إذًا- أمام كاتب مفتون بفنه، معجب بنثره إلى درجة أنه لا يزفه إلا لمن يراه كذلك، وهو يعرف أن صناعته مختلفة ومدهشة ومثيرة أيضًا.
ولأن العصر الذي عاش فيه "الهمذاني" هو عصر الدويلات الفارسية– في أغلبها- ودول التشيع- في أغلبها- أيضًا، وعصر غنى وخلاف، وجدال واختلاف، كان لابد من ثقليد كتابي أنيسود أو يتسيد، أو يحظى بالقبول. ويبدو أن مدرسة "ابن العميد"- الفنية والسياسية- التي دعمها واستمر بها "الصاحب بن عباد" حظيت بذلك الفضاء الواسع والقدرة الكبيرة على الانتشار، ولكن هذا لا يلغي عددًا من الحقائق هي:
أولا ً: إن السجع– كأسلوب إيقاعي- استعمل في لغة العرب منذ عصور الجاهلية الأولى، واستمركذلك من خلال القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وكذلك كلام الخلفاء الراشد ين والأمويين والعباسيين، ولم يكن مرفوضًا أو حرامًا، لكنه، في الوقت ذاته، لم يكن يُستعمل لذاته أو هدفًا جماليًا وحيدًا، بل كان يأتي عفو الخاطر أو حسب ما تفرضه الحال. وعليه، فإن هذا الإقبال الكبير على السجع في القرن الرابع الهجري لم يكن ظاهرة مستغربة أو طارئ ة على الأدب العربي، بل كان ثمرة لهذا التراكم التاريخي من الاستعمال المتعدد الأغراض للسجع. وقد توسع د. "زكي مبارك" في رصد أطوار السجع في اللغة العربية منذ عصور الجاهلية وحتى القرن الرابع الهجري ليخلص إلى القول إن "الفنون الأدبية لا ُتخَلق مرة واحدة، أو لا تبعث مرة واحدة، ولكنها في الظهور والانتشار على نحو ما تفعل تباشير الصباح".
ثانيًا: إن أساليب البيان والبديع وأشكالهما واستخداماتهما كانت مألوفة وشائعة، وهي تشكل أساس كلام العرب، وجاء القرآن الكريم ليَثبِّت تلك الأساليب على اختلافها، لكنها هي الأخرى لم تستعمل كهدف ولم تستغل كغاية نهائية للكلام. كان المضمون دائمًا هو صاحب السيادة والغلبة، ولكن– وبسبب الظرف الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي ساد في القرن الرابع الهجري - انقلب الحال لدى بعض الناثرين، بحيث صار الشكل يوازي المضمون في حضوره، وصار الثوب أهم من البدن، وتحولت اللغة بحد ذاتها إلى مضمون وهدف.بعد هذا، فإن نثر "الهمذاني" وشعره- باعتباره يشكل ذروة مدرسة السجع والمحسنات -يعطينا الفرصة الكاملة لأن نحدق في مقاماته عن قرب شديد لتفحص ما هو أصيل أو متكلف.
وفي هذا المجال، فإن التذوق الأدبي يلعب دورًا مهمًا في تحديد المقبول والمرفوض، المستحسن والمستهجن، وكما قال "عبد القاهر الجرجاني" في كتابه الشهير "دلائل الإعجاز ": "فليس الداء بالهين، ولا هو بحيث إذا رم َ ت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفًا، والسعي منجحًا، لأن المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها، وتصور لهم شأنها، أمور خفية، ومعان ٍ روحانية، أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها، وتحدث له علمًا بها، حتى يكون مهيأ لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة، يجد لهما في نفسه إحساسًا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة، وممن إذ تصفح الكلام وتدبرالشعر، فرق بين موقع شيء منها وشيء".
"الجرجاني" يتحدث هنا عن "الذوق" و"الإحساس" كقرني استشعار لتلمس مواطن الجمال و أوجه الاستحسان أو الاستهجان.ويقول الدكتور "بدوي طبانة": "أما البيان وتذوقه، وتفضيل القول في عناصره، ومحاولة الحكم عليه بالحُسن أو الإصابة، فإنه يحتاج إلى مرانة وثقافة وإدمان نظر، واستثارة للذوق والمعرفة".
وقد ظهر البديع مصطلحًا أول مرة في القرن الثاني الهجري إثر استعماله من شعراءك "بشار برد" (توفي سنة 168 ه) و"ابن هرمة" (توفي سنة 167 ه)، و"منصور النمري" (توفي سنة 190 ه)، وذلك في محاولة منهم للتعبير بطرائق جديدة، الأمر الذي لفت الأنظار إليهم، وتم تناقله إلى أن وصل إلى "الجاحظ " فأشار في كتابه "البيان والتبيين" إلى ذلك بالقول: "والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة وأربت على كل لسان". ولم يكتف "الجاحظ" بذلك، فقد أطلق أحكامًا على من سبق من الشعراء، فقال : "وبشارحسن البديع، و"العتابي" يذهب في شعره في البديع مذهب "بشار"
وتسمية البديع مرتبطة بالإبداع، كما قال "ابن رشيق" في العمدة: "والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستطرف والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع". []
إذًا، كان هذا المصطلح معروفًا لدى الشعراء والنقاد معا، إلى أن جاء "ابن المعتز" المتوفى سنة 296 هـ، أي بعد "الجاحظ" بعشرات السنين، ووضع كتابه المعروف والشهير "البديع" الذي ظهر إلى الوجود سنة 274 هـ،
وفيه حدد ستة عشر وجهًا من وجوه البديع – و ذلك بعد استبعاد ما ليس من البديع عن هذه الوجوه البديعية، كالتشبيه والاستعارة- وقد استمد "ابن المعتز" ثلاثة عشر منها من كتاب "الجاحظ " البيان والتبيين،
فيما يشير الدكتور "شوقي ضيف" إلى أن "ابن المعتز" "أحصى في كتابه 18 محسنًا، ضم فيها إلى المحسنات البديعية الخالصة الصور البيانية الأساسية، وهي الاستعارة والتشبيه والكناية، وبذلك كان البديع عنده وعند من ألفوا فيه بعده يشمل البيان"، و"إذا كان "عبد القاهر الجرجاني" المتوفى سنة 471 للهجرة، وصاحب كتابي "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" هو واضع نظرية علم البيان والمعاني، فإن عبد الله بن المعتز هو واضع علم البديع".
بعد ذلك وضع "قدامة بن جعفر" (توفي سنة 337 ه) كتابه "نقد الشعر"، ووصلت لديه أوجه البديع واحدًا وعشرين وجهًا (ذكرها الدكتور شوقي ضيف واحدًا وثلاثين وجهًا)،
أعقبه "أبو الهلال العسكري" (توفي سنة 395 ه)، ووضع كتابه "الصناعتين"، حيث بلغت أوجه البديع عنده أربعين وجهًا، ثم "ابن رشيق" (توفي سنة 456 هـ) وألف كتابه "العمدة" فجعل أوجه البديع أربعة وثلاثين وجهًا، ثم "ابن سنان الخفاجي" (توفي سنة 466 هـ) الذي اقتصر على واحد وعشرين وجهًا من أوجه البديع، لكنه أول من أشار أو نبه إلى الفرق بين ما سماه المحسنات اللفظية والمحسنات المعنوية.
أما عبد القادر الجرجاني توفي سنة 471 هـ) فجعل أوجه البديع ثمانية، وذلك في كتابه "أسرار البلاغة"، فيما جعل "أسامة بن منقذ" (توفي سنة 584 هـ) تلك الأوجه خمسة وتسعين في كتابه "البديع في نقد الشعر"، أما "أبو يعقوب السكاكي" (توفي سنة 626 هـ) ففرّق في كتابه مفتاح العلوم" بين البديع والبيان، تلاه "ابن الأثير" (توفي سنة 637 ه) في كتابه "المثل السائر" فجعل أوجه البديع ثلاثين وجهًا، لكنها ارتفعت مرة أخرى إلى سبعين في ما كتبه "شرف الدين التيفاشي" المتوفى سنة 651 هـ.
والبديع من خلال الوظيفة التي يؤديها هو أن يعمد الأديب إلى التعبير عما في نفسه، بطريقة تفيد من طاقات الألفاظ في المعنى وفي الصورة أو في جرس الأصوات وإيحاءاتها(...)، فإن كانت الفائدة من جانب المضمون في الألفاظ كان ذلك محسنات معنوية، وإن أسهم ذلك في جرس الألفاظ وأصواتها بشكل خاص كانت تلك محسنات لفظية.
غير أن تلك المحسنات قد توحي بأنها جاءت لتزيين الكلام بعد استيفاء المعنى، ولكن من الحق القول، أيضًا، إن تأدية المعنى بهذه الوجوه البديعية من أجل أن يكون التعبير أغنى وأقوى وأقدر وأعمق أثرا في النفوس. ولهذا، فقد سماها الدكتور "محمد علي سلطاني ": "وجوه أداء معنوية" و"وجوه أداء لفظية".
أما وجوه الأداء المعنوية فهي: الطباق، والمقابلة، ومراعاة النظير، والإرصاد، والعكس، والتبديل، والتورية، والمذهب الكلامي، وحسن التعليل، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتأكيد الذم بما يشبه المدح، والتلميح، وحسن الابتداء، وحسن التخلص، وحسن الانتهاء. و وجوه الأداء اللفظية هي: الجناس، ورد العجز على الصدر، والسجع، والموازنة، والتصريع، وتناسب اللفظ والمعنى، وتناسب اللفظ والوزن، وتناسب المعنى والوزن، وتناسب القافية مع سائر البيت. أما البيان فهو العلم الذي يطلعنا على أساليب التعبير والتصوير عن طريق التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز مستعملة الخيال الخصب لأداء المعاني.
والبيان على عكس البديع، فهو مما لم ينكره النقاد العرب، تصنعًا أو تكلفًا، بل تعلق ذلك بقوة الخيال وحسن المشابهة وقوة العلاقة بين المشبه والمشبه به، وحسن الاستعارة وقوتها وجمال الكفاية ونعومتها، ذلك أن كلام العرب هو مجاز جله بإشارة العديد من النقاد القدماء والمحدثين، والتكلف في الكتابة الأدبية كان أوضح في استخدام الألوان البديعية - التي تعنى بالزخرفة والشكل- من البيانية.فالبديع هو الوسيلة الفنية التي تعطي الشاعر أو الناثر حرية الرصف والمعمار والإكثار من المترادفات وأوجه المقابلة والموازنة والسجع والطباق والجناس، وهو ترصيع فني لم يكن يستعمل بطريقة متكلَّفة في العصور الأولى العربية والإسلامية، ولكن هذه الأساليب صارت تقليدًا فنيًا لدى كتاب القرنين الثالث والرابع الهجريين.وقد نبّه النقاد القدماء إلى ما يفعله الإيغال والتكلف في استعمال البديع والإفراط في استخدامه– إكثارًا من أوجهه أو سعيًا مقصودًا إليها- من إفسادٍ وتسفيه، فقد أشار "الجاحظ" إلى نفور العرب من التكلف في كل شيء، وكذلك "ابن المعتز" الذي انتقد "أبا تمام " في إسرافه باستعمال البديع حين قال: "ثم إن "حبيب بن أوس الطائي" من بعدهم شغف به (يقصد بالبديع ) حتى غلب عليه، وتفرع فيه، وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك، وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف".
أما "الجرجاني" فحمل حملة شعواء على التكلف في استعمال البديع حين قال: "إن في كلام المتأخرين الآن كلامًا حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنه يتكلم ليُفهم، ويقول ليُبَيّن، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت، فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده، كمن يثقل العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها".
ولكن "الجرجاني" نفسه يشير إلى الأوجه الحسنة في استخدام البديع بقوله: "وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسًا مقبو ً لا، ولا سجعًا حسنًا، حيث يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بد ً لا ولا تجد عنه حولا".
هنا يفرق "الجرجاني" بين الصنعة والتصنع، بين الطبع والتكلف، وهو ما أشار إليه أيضا "السكاكي" عندما وازن بين استخدام الألفاظ لتبيان معنى الكلام فقال: "وأصل الحسن في جميع ذلك أن تكون الألفاظ توابع المعاني لا أن تكون المعاني لها توابع، وأعني أن لا تكون متكلفة".
فلصنعة إذًا هي الإلمام التام بفنون البديع والبيان وأوجههما بمعرفة واعية ومخططة ومدركة، أي العلم التام بتلك الأوجه واستخداماتها ومواقعها وما تضيف للكلام والمعنى، فيما يعني التصنع الإسراف في استخدام تلك الأوجه وإخراجها من وظائفها إلى أن تكون هي الوظيفة، أي أن تتحول من كونها وسيلة إلى كونها هدفًا، بحيث يغيب المعنى، ويفسد، ويضمحل، من أجل استيفاء الوجه البديعي ذاته واكتماله.
ويذهب الدكتور "شوقي ضيف" إلى تصنيف يفرّق فيه بين التصنيع والتصنع، ففي الوقت الذي يعتبر فيه أن التصنيع هو استعمال البديع والبيان في النص من أجل تجميله والتفنن فيه، وإيلاء الشكل أهمية على حساب المضمون، بسبب تعقد الحياة وترفها ودخول أذواق جديدة علىالفطرة العربية القديمة، فإنه يعتبر أن التصنع هو تكلف البديع وتعمد البيان، بحيث يخرج المضمون كليًا من النص، ومن ثم يتحول إلى نوع من الأحاجي والألغاز. []
ويرى "ضيف" في التصنيع اتجاهًا فنيًا يظهر ويشتد في القرن الرابع الهجري، يبدأه "ابن العميد"- الذي لم ينتقده "ضيف"، بل أثنى على نثره-، معتبرًا أن أسلوب "ابن العميد " المعتمد على السجع والجناس والطباق ما هو إلا وشي خالص، وكأنه ثروة زخرفية هائلة، كما يعتقد أن "ابن العميد" قد يكون تأثر في صناعته الأدبية بصناعة السجاد في إقليمه،
وهو ما لا نعتقده، فالمسألة أعقد من ذلك بكثير، فالخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية لبلاد فارس والعراق في القرن الرابع الهجري أثرت في الأدب الذي كان يستجيب لمجمل تلك الظروف التي كانت آخذة في التعقد.وإذا كانت مدرسة "ابن العميد" النثرية وفرسانها وأعلامها قد اعتمدوا أوجه البيان والبديع وأفرطوا في ذلك، فهل وقع "الهمذاني" في التصنع أو التكلف في مقاماته بحيث ذهب الشكل بالمضمون، وقتل التكلف طبع الفنان ووجدانه الأصيل؟!كانت الإجابة عن هذا السؤال مختلفة باختلاف الزمان والمكان، فقد وصف "ابن الطقطقي" مقامات "بديع الزمان" بأنها "لا يستفاد منها سوى التمرن على الإنشاء والوقوف على مذاهب النظم والنثر".  وكذلك فعل "ابن الأثير" الذي انتقد مقامات "الهمذاني" و"الحريري" لما فيهما من تكلف شديد وإغراق في استعمال البديع والبيان. أما "الثعالبي" معاصر "الهمذاني" فقد كتب عن مقاماته: "ضمّنها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، من لفظ أنيق، قريب المأخذ، بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام، وجدّ يروق يتملك القلوب، وهزل يشوق فيسمر العقول".
وقد أبدى كل من: "ابن حزم الأندلسي" (توفي سنة 456 ه)، و"الحصري" مؤلف كتاب "زهر الآداب"، و"ابن شهيد"، و"أبي الحكم المغربي"، الطبيب والأديب الأندلسي، إعجابهم الشديد بمقامات "الهمذاني" من حيث "تميل نحو الألفاظ غير المعهودة عند العامة".
أما في العصور الحديثة، فقد أعجب بها كل من: الشيخ "محمد عبده" الذي اعتبرها نثرًا بديعا جميلا، وكذلك فعل الدكتور "زكي مبارك"، وباحثون جدد مثل: "مارون عبود" و"عبد المالك مرتاض" و"يوسف نور عوض" و"أنيس المقدسي".فيرى الدكتور "زكي مبارك" أن "مقامات "بديع الزمان" تحفة من تحف النثر الفني في القرن الرابع (...) فقد كان مفهومًا عند كثير من الناس أنها ألاعيب لفظية ليس فيها من المعاني ما يستحق الدرس، لكننا بعد مواجهتها مرة ومرة رأينا فيها من أمارات العقل والذكاء وخفة الروح ما يوجب الإعجاب (...) في تلك المقامات بعض العيوب، ولكن، أيُّ عمل فني سلم سلامة مطلقة من العيوب؟".
وتعتبر الدكتورة "أحلام الزعيم" أن "الهمذاني" "على الرغم من القيد الذي ألزم نفسه به، من سجع وصنعة وبديع، فقد استطاع أن يأتي بأسلوب رشيق، قوامه التناسق والانسجام والعذوبة والسلامة، يعرف كيف يختار الكلمات المناسبة، وكيف يضعها في مواضعها من غير نبوٍّ أو شذوذ"
ويقول الدكتور "أحمد إبراهيم موسى": "ولميل "الهمذاني" إلى الارتجال رّقت عبارته وسهلت، وقصرت سجعاته وعذبت، حتى كانت إلى صفاء الطبع وعذوبته أقرب منها إلى تعمُّل الصنعة وتعمدها"،  مشيرًا إلى ما تميز به كّتاب القرن الرابع الهجري "من رشاقة وعذوبة وخفة و ظرف، فوصلوا بالكتابة البديعية إلى غايتها المحمودة من النضج والاستواء، وقد عصمهم من زلل هذه الصناعة ما كانوا عليه من إحاطة باللغة، ودراية بالأساليب، ونمو في الأذواق، وصفاء في الفطر، وتبريز في الأدب".فيما أشار إلى ما في مقامات "الهمذاني" من ضحالة وإسفاف كل من: "حنا الفاخوري " و"جرجي زيدان"، وفي هذا الصدد يقول "حنا الفاخوري" ملخصًا مقامات بديع الزمان بطريقة فيها كثير من الظلم: "رمى فيها قبل كل شيء إلى غاية تعليمية".
لكنه يستدرك موقفه هذا بعد قليل بالقول: "إلا أن المقامات الطويلة عند "بديع الزمان" تتسع لبعض الَقصَص الطريف النابض بالحياة والذي لا يخلو من متعة وروعة".
ويرى الدكتور "شوقي ضيف" أن همّ "الهمذاني" في مقاماته "أن يجمع في كل مقاماته طائفة من الأساليب البلاغية المصنعة التي تعتمد على السجع والبديع، وأنه ليسرف في تجميل كل مقامة بأوسع طاقة ممكنة من الزخرف والزينة والتنميق، ومن ثم انصرف عن الموضوع إلى الأسلوب، وذهب يجمله ويرصعه فنونًا من التجميل والترصيع، فالترصيع والتجميل هما غايته من عمله حتى تستوي له طُرَفٌ إنشائية بليغة تروّع معاصريه".
ولعل الدكتور "محمد مهدي البصير" من أشد النقاد المحدثين إنكارًا لمقامات "البديع " إذ اعتبرها "جناية لا تغتفر على الأدب العربي، ذلك أنه خلق فيها أدب الشحاذة خلقًا وأنشأه إنشاء.
ولم يخلُ الأدب العربي من الشحاذة لسوء الحظ على ألسن الشعراء المداحين، ولكنها ظهرت في هذه المرة بأبشع صورها وأقبح أشكالها وأخس طرقها وأساليبها. سامح الله "الهمذاني"، فإنه أساء إلى الأدب بمقاماته أكثر مما أحسن إليه بشعره ورسائله". إذًا، انقسم النقاد والأدباء حول هذه المقامات ما بين محبذٍ لها وكاره، وما بين منكر ومؤيد، ولهذا فإنني سأناقش تلك المقامات وأحللها لاكتشاف مواطن الصنعة والتصنع في هذا النص/ الفن الإشكالي، وإن كان مبدعها قد أجاد في توظيف الألوان البديعية والبيانية، أم أنه أسرف.ولا بد من الإشارة هنا إلى أن "الهمذاني" في مقاماته التي يقص فيها يتجلى فنانًا أصيلا ً، رشيقًا وطليقًا، ويخضع فيها بديعه لمعناه وبيانه لمضمونه، أما في تلك المقامات التي يتخلى فيها عن القص، فعندئذٍ يحاول إظهار براعته ومهاراته في التصرف بوجوه البيان والبديع وكأنه يستعرض ذلك ويتمتع في استعراضاته تلك.ولنبدأ بالمقامة الأصفهانية.
التي يصور فيها "الهمذاني" بطله "عيسى بن هشام " وهو يزمع السفر مع القافلة، عند ذلك ينادى للصلاة، فيذهب للمسجد ليصليها جماعة، فيطيل الإمام في صلاته، وما إن ينتهي حتى يقوم "أبو الفتح الإسكندري" ليعظ الناس، فيضطر "عيسى بن هشام" للاستماع، وهكذا حتى تفوته القافلة.يعرض "الهمذاني" هذه المقامة على طريقته الرشيقة، المرحة، وبنثر مسجوع، فيه من الوشي والزخرف الكثير، ولندقق في ذلك على النحو التالي:حدثنا "عيسى بن هشام" قال: كنت بأصفهان أعتزم المسير إلى الري، فحللتها حلول الفي.- شبه نفسه بالفيء لأنه ينتقل مع حركة الشمس، وخفف الهمزة لتناسب قافية الياء في الري، تمامًا كما في الشعر. ثم يكمل: أتوقع القافلة كل لمحة، وأترقب الراحلة كل صبحة.
- يستعمل السجع بشكل رشيق، فالإيقاع هنا بين لمحة وصبحة يبعث الطرب ويؤكد حالة الترقب والانتظار.ويكمل: فلما حُمَّ . (أي قضي).
ما توقعته، نودي للصلاة نداءً سمعته.
- يأتي السجع هنا لهدفه أو لذاته، فكلمتا "نداء سمعته" زائدتان تمامًا ولا تضيفان، بل على العكس فإنهما تشيران إلى تعمُّل الكاتب وتصنُّعه.
وبعد ذلك يقول: وتعيّن فرض الإجابة، فانسللت من بين الصحابة.
- يتصنع السجع هنا، فالصحابة لفظة اختص بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تأت إلا للسجع.ثم يكمل: أغتنم الجماعة أدركها، وأخشى فوت القافلة أتركها.
- يستعمل الكاتب هنا السجع بين أدركها وأتركها بشكل لطيف، ذلك أن المعنى اكتمل بهذا السجع للتعبيرعنالقلق والخوف من فوت القافلة، وكانالسجع مصاحبًا لقلق الكاتب ومعبرًا عنه. ويكمل: لكني استعنت ببركات الصلاة، على وَعثاء الَفلاة.
- سجع لطيف وخفيف على الأذن، لأنه ربط بين الصلاة التي تحمي وتصون ، والفلاة التي تخيف وترعب، فالسجع هنا لم يقتل المعنى، بل يعمقه ويجعله محسوسًا في الوجدان.
ثم يكمل: فصرت إلى أول الصفوف ومثلت للوقوف.
- سجع زائد ومتكّلف، لأن من يتقدم إلى أول الصفوف للصلاة لابد أن يقف حتى تكتمل الصلاة، فالكاتب أضاف "مثلت للوقوف" لمجرد السجع ليس إلا.ويتابع: وتقدم الإمام إلى المحراب، فقرأ فاتحة الكتاب، بقراءة حمزة، مدة وهمزة.
- هنا يبرز تصّنع الكاتب، إذ يجمع بين السجع والجناس غير التام بين حمزة وهمزة بشكل متكلَّف، فيقول الشيخ "محمد عبده" إن الفاتحة ليس فيها من الهمزة والمد ما تظهر فيه رواية حمزة ،
ويقصد الكاتب هنا أن الإمام كان يطيل في القراءة ويمد بها صوته، فيأخذ وقتًا طويلا
ثم يكمل: وِبيَ الغمّ المقيم المُقْعِد في َفوت القافلة، والبعد عن الراحلة.
- سجع لطيف بين القافلة والراحلة يزيد من حدة التوتر بين الرغبة في إكمال الصلاة واللحاق بالقافلة.ويكمل: وأتبع الفاتح َ ة الواقع َ ة، وأنا أتصّلى نار الصبر وأتصّلبُ، وأتقلى على جمر الغيظ وأتقلب.
- جناس غير تام بين أتصلى وأتصلب، وأتقلى وأتقلب، وجناس غير تام وسجع بين أتصلى وأتقلى، وأتصلب وأتقلب، وتظهر هنا صنعة "الهمذاني" وبراعته في اللعب بالمفردات والإيقاع، فأتصلى وأتقلى كلمتان جميلتان ودقيقتان في وصف الشخص الذي يشغله أمر ما، كما أن أتصلب وأتقلب تعززان هذا الشعور بقوة.ثم يتابع: وليس إلا السكوت والصبر أو الكلام والقبر، ولِمَا عرف ُ ت من خشونة القوم في ذلك المقام.
- سجع متكلف على رغم ما برر به الكاتب مسألة القبر هذه، فهو يقول إنه مضطر للسكوت وعدم قطع الصلاة لأنه سيُقتل، فالقوم الذين يصلي معهم متصلبون فيالدين علىمايبدو.ويكمل: فوقف ُ ت بَقدَم الضرورة على تلك الصورة، إلى انتهاء السورة.
- سجع لطيف، وجناس غير تام بين الصورة والسورة. وهنا تبرز صنعة الكاتب وإجادته في توظيف المحسنات لتعزيز المعنى، إذ إن وصف حالته ما بين ضرورة الخشوع في الصلاة وضرورة اللحاق بالقافلة جعله حساسًا لكل دقيقة زائدة في الصلاة، ولهذا فإنه يصف ما يجول في صدره من ضيق وحرج ما بين الخشوع والانطلاق.ويتابع: وقد قنِط ُ ت من القافلة، وأيَس ُ ت من الرَّحل والراحلة.
- سجع لطيف، على رغم أنه لا يضيف إلى المعنى كثيرًا، لكن الإيقاع الموسيقي المتصاعد من اجتماع حرفي الحاء، وكذلك الوقفة الإيقاعية في كلمة الراحلة، يدفعان بنا إلى تصور ذلك الذي فاتته القافلة وتركته وحيدًا.ثم يكمل: ثم حنى قوسَه للركوع، بنو ٍ ع من الخشوع وضر ٍ ب من الخضوع، لم أعهده من قبل.
- سجع يراد لذاته وتطويل لا طائل فيه ولا يضيف.ويتابع: ثم رفع رأسه ويده، وقال: سمع الله لمن حمده.
- سجع وإطناب لا يضيفان إلى المعنى شيئًا.ثم يكمل: وقام حتى ما شككت أنه قد نام، ثم ضربَ بيمينِه، وأكبَّ لِجَبينِه، ثم انكبّ لوجهه، ورفعت رأسي أنتهز فرصة فلم أرَ بين الصفوف فرجة.
- يصور "الهمذاني" هنا حالته دون قيود لفظية، فهو ينطلق مصورًا حالة بطله من الداخل دون تزويق، وعلى رغم وجود جناس غير تام بين يمينه وجبينه، وفرصة وفرجة، فإنه كان عفويا وغير متكلف وفي محله.ويكمل: فعدت إلى السجود، حتى كبّر للقعود.
- سجع لطيف وفي محله، ذلك أن ما يلي السجود هو القعود، والكاتب يطيل في وصف حركات الصلاة ليعطي الإحساس بمدى الوقت الذي استغرقته الصلاة إلى درجة أن القافلة رحلت وهو يصلي.ويتابع: وقام إلى الركعة الثانية فقرأ الفاتحة والقارعة، قراءة استوفى بها عُمر الساعة، واستنزف أرواح الجماعة.
- سجع لطيف غير متكلف، فهو يثير السخرية العميقة من إمام متزمت يطيل صلاته ولا يهتم لشؤون المصلين وأحوالهم، وفيه، أيضًا، ائتلاف اللفظ والمعنى، وهو وجه من أوجه البديع الرائعة.ثم يكمل: فلما فرغ من ركعتيه وأقبل على التشهُّد بَلحْيَيْه ومال إلى التحية بأخدعيه.
- سجع فيه إطالة وإطناب ليزيد من السخرية الشديدة من ذلك الإمام الذي يتنطع ليس في وقت الصلاة فقط، وإنما في حركاته البطيئة والمملة أيضًا، فالسجع هنا يعزز معنى السخرية والضيق الشديد من الإطالة في الصلاة.ويكمل: وقلت قد سهّل الله المخرج وقرَّب الفرج.
- سجع غير متكلف، فالعبارة هنا تشبه الآهة التي نطلقها عندما نشعر أن ما ضايقنا قد وصل إلى نهايته، والكاتب بهذا يمهد لانقضاء ما ضايقه.ويتابع: قام رجلٌ وقال: من كان منكم يحب الصحابة والجماعة، فليعرني سمعه ساعة.
- سجع عفوي وغير متكلف بين الجماعة وساعة، وإعارة السمع كناية عن الإصغاء.ثم يكمل: قال عيسى بن هشام: فل ِ زم ُ ت أرضي صيانة لعِرضي.
- سجع في محله بين أرضي وعرضي، لأن ما بين الأرض والعرض من علائق يجعل خوفه من القيام مفهومًا ومقبولا.ثم يكمل: فقال: حقيقٌ عليّ أن لا أقول غير الحق، ولا أشهد إلا بالصدق.
- سجع عفوي، فالعبارة مطروقة وشائعة في ما سبق، ولم تأت في سياق متكلف أو ناشز.ويتابع: قد جئتكم ببشارة من نبيكم، لكني لا أؤديها حتى يطهّر الله هذا المسجد من كل نذل يجحد نبوءته.
- صورة جميلة لا يلتزم "الهمذاني" فيها بالسجع، وهذا أحد ملامح قوته، فهو في بعض الأحيان ينطلق كما يريد من دون قيود.ثم يكمل: قال "عيسى بن هشام": فرب َ طني بالقيود وشدّني بالحبال السود.
- سجع جميل يعزز الصورة البيانية في الجملة، وهي الكناية عن شدة إحساسه بضرورة البقاء وعدم الفرار.ويتابع: ثم قال: رأيته صلى الله عليه وسلم في المنام، كالشمس تحت الغمام، والبدر ليلَ التمام، يسير والنجومُ تتبعه، ويسحب الذيلَ والملائك ُ ة ترفعه.
- يجمع هنا بين السجع والموازنة، وهما غير متكلفين ويبعثان الطرب والانتشاء.ويكمل: ثم عّلمني دعاء، أوصاني أن أُعّلم ذلك أُمَّته، فكتبته على هذه الأوراق بخلوقٍ ومسك، وزعفران وسُكٍّ، فمن استوهبَه مني وهبُته، ومن رد عليّ ثمنَ القرطاس أخذُته.
- سجع لطيف وجميل، وموافقة بين الألفاظ والمعاني وبلا إطالة.ثم يكمل: قال "عيسى بن هشام": فلقد انثالتْ عليه الدراهم حتى حيّرَتْه، وخرج فتبِعُْته متعجّبًا من حِذْقِه بزَرْقِه وَتمَحُّلِ رزقه.
- جناس غير تام بين زَرقه و ِ رزقه، وهو جميل، لأن المعاني التي تحملها الجملة متآلفة ومتوافقة، وبنت إطارا كاملا للمعنى المراد، إذ كل كلمة تضيف شيئًا جديدًا لصورة ذلك المتكسب بفصاحته أو حيلته.ويتابع: وهممْ ُ ت بمسْأَلتِه عن حاله فأمسكْت، وبمكالمته فسكتُّ.
- سجع زائد ومتكلف بين أمسكت وسكتُّ لا يضيف شيئًا إلى المعنى.ثم يكمل: وتأمل ُ ت فصاحته في وقاحته، وملاحََته في استماحته، وربطَهُ الناسَ بحيلتِه، وأخْذَهُ المالَ بوسيلتِه.
- السجع هنا يلعب دورًا في التشويق والإثارة والرشاقة.
ثم يكمل: ونظرت فإذا هو "أبو الفتح الإسكندري".من الواضح أن "بديع الزمان الهمذاني" يتخذ من السجع أسلوبًا ومنهجًا لا يحيد عنه في مقاماته، والسجع بدوره يجر إلى ألوان أخرى من المحسنات البديعية.
السمة الغالبة إذًا على أسلوب "بديع الزمان" هي السجع، وهو أسلوب لا يخلو من طرافة وجمال، استخدمه القرآن الكريم في مواضع عدة، ولكن بطريقة معتدلة، وبأسلوب يخدم المعنى ويبرزه، وباعتدال شديد.
وكذلك قوله في المقامة المكفوفية: "معتمدًا على عصا فيها جَلاجل يخبط الأرض بها على إيقاع ٍ غَنِج ٍ، بلحن ٍ هَزِج ٍ، وصوتٍ شجّ ٍ من صدر حرج ٍ .
كما أن "الهمذاني" مغرم بالمقابلة والطباق إلى حد بعيد، وإصراره هذا يقوده إلى التكلف والتصنع في أحيان كثيرة، كما في قوله في المقامة القزوينية: "مؤثرًا ديني على دنياي، جامعًا يمناي إلى يسراي، واصلا سَيْري ِبسُراي".
كما يمكن توضيح المقابلة المفتعلة أو الطباق بأي ثمن في مثل قوله في المقامة الفزارية : "كابن حُرَّةٍ طلع عليّ بالأمس، طلوعَ الشمس، وغرب عني بغروبها لكنه غاب ولم يغِب تذكاره".
فقد جاء بنوعي الطباق: السلب والإيجاب بقصد إظهار المهارة، لا توضيح المعنى.أما بالنسبة إلى الموازنة، والازدواج، وتقسيم الكلام، فهي من الأركان الأساسية التي يقوم عليها البناء المعماري مقامات "الهمذاني "، وهذه الألوان البديعية تكاد تلتزم التزامًا، ومن المؤكد لو أنها استعملت باعتدال وبطريقة عفوية لجعلت من مقاماته فنًا فريدًا جميلا.ولكن تكرار العقدة، وربما سذاجتها، وتكرار الشخصيات المتمثلة بالراوية والبطل، واجترار أحداث ملفقة، ووضع هدف واحد ووحيد لكل مقامة وهو الحصول على المال، كل ذلك أدى إلى ضعفٍ، وإلى الاستعاضة عن المضمون بروعة الشكل وإبهاره.ومن الخطأ أن نخضع مقامات "الهمذاني" إلى قواعد نقدية ومفاهيم أدبية عصرية حديثة.ويفرط "الهمذاني" في استخدام الجناس بشكل واضح، كقوله في المقامة الفزارية: "وأنا أهم بالوطن فلا الليل يثنيني بوعيده، ولا البعد يلويني بيده".
وكذلك قوله في المقامة ذاتها: "وأخوضُ بطنَ الليل بحوافر الخيل".وقوله: "فبينا أنا في ليلة يَضلُّ فيها الغطاط ولا يبصر فيها الوَطواط".وكذلك "مرتح ً لا نجبب ً ة، وقائدًا جنيبة". []
وقوله: "فظللت أخب ُ ط ورق النهار، بعصا التَّسيار".
كل هذا الحشد الجناس ورد في خمسة أسطر فقط من المقامة الفزارية.وفي مقامات "بديع الزمان" الكثير "من اللفظ الغريب، يحشو به أساليبه كقوله في المقامة القِرْدية على لسان "عيسى بن هشام": "بينا أنا بمدينةٍ أميس ميس الرِّجلة على شاطئ الدجلة"، فقد استخدم كلمة أميس بمعنى أتبخبر، وليس هذا ما نريد أن نقف عنده، إنما نقف عند كلمة الرِّجلة فهي جمع رجل، وهو جمع شاذ، لم تكن هناك ضرورة لاستخدامه سوى أن يقصد إلى هذا قصدًا.وكذلك قوله في المقامة الموصلية: "فأخذه الجُفُّ، وملكته الأكفُّ"، والجف هنا: الجمهور . ومن ذلك قوله في المقامة المارستانية: "الإكراه مرة بالمِرّة، ومرة بالدِّرة"، والمِرَّة هنا: العقل.
"ولعل المقامة الحمدانية أكثر المقامات ألفاظًا مهملة وحوشية غير مسموعة، فقد عُني فيها بوصف الَفرَس، وعرض فيها كل محصوله اللغوي في هذا الوصف، وكأنه يؤلف متنًا في غريب الَفرَس لا مقامة أدبية".
ويرى الدكتور "شوقي ضيف" أن هذا عند "بديع الزمان" أثر من آثار "ابن دريد " في أحاديثه، والتي كانت تمتلئ بأوابد اللغة وشواردها المهملة.
لقد كان من أهداف "الهمذاني" من هذه المقامات إظهار براعته اللغوية رغبة في التفوق، ولأهداف تعليمية، رغبة منه في إظهار قدراته النثرية والشعرية. وإضافة إلى ذلك، "فإن "بديع لزمان" أحيانًا كان يسعى إلى تسلية القارئ".
ومن هنا نفهم الأسباب التي قادته إلى حشد كل هذه الألفاظ والمعاني والصور الغريبة التي تثبت بالفعل قدرته الفذة على استظهار مواد المعاجم.أما شعر "بديع الزمان الهمذاني" في مقاماته، فأغلبه شعر مفتعل ضعيف الأداء، سيئ الصياغة، رديء الوقع، خال من العاطفة، قائم على الافتعال، وهو يختار البحور القصيرة، والإيقاع الموسيقي الصاخب، ويفتقر كثيرًا إلى المعاني والأفكار والصور والأخيلة، وتتبدى فيه بصورة خطابية واضحة المواعظ والإرشادات والنصح، والأساليب التعليمية الفجة التي تتنافى مع روح الفن والإبداع.
ومع ذلك كله، فإن مقامات "الهمذاني" فن بديع وأصيل، قدمت خبايا المجتمع العباسي بصورة فنية جميلة وناقدة.نخلص من هذا كله إلى أن "الهمذاني"، وإن استعمل ألوان البديع والبيان بكفاءة ومها رة، واستطاع أن يطوع ذلك لما يريد من دون أن يخسر مضمونه أو معناه، كان في بعض الأحيان يطيل حيث لا يجب، ويسجع حيث لا يفيد. ويمكن القول، أيضًا، إن "الهمذاني" في مقاماته فنان أصيل حقًا، فقد كان لا يفقد نقطة التوازن بين الشكل والمضمون، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر إلا في مواضع قليلة، كان صاحب صنعة قديرًا بمهارته وقدرته وخصوبته وثراء قاموسه، وكان قليل التصنع أو التكلف قياسًا بصنعته بسبب قوة وجدانه وصدقه مع رسالته.

Aucun commentaire:

Publier un commentaire

Fourni par Blogger.