أعلان الهيدر

الاطفال في العالم


الاطفال في العالم
الاطفال في العالم
تعرّفت على طفل أجنبيّ عاش مأساة مع مربيه الذي كان يستغّله بعد أن حرمه من مواصلة دراسته. وها إنّي أنقل قصّته ليطّلع عليها أطفال بلدي كما رواها لي إذ قال:
" فجعت في يوم مشؤوم في أعزّ حبيبين إلى قلبي... فقد مات أبويّ في حادث سيّارة لعين. فبتّ من يومها وحيدا, طفلا صغيرا مدلّلا يفقد أبويه في يوم واحد!؟... أظهر أحد الجيران شفقته بي وأبدى رغبة ملحّة في تربيتي وتعويضي هذا الفقد العظيم. شكره النّاس على صنيعه وتوقّعوا له الثواب لما سيفعله من خير. وهم لا يدركون أنّه مجرّد ثعلب ماكر وقع على فريسة ثمينة. لأنّه ما بيّت في قرار نفسه سوى الغدر والاستغلال لجهودي، جهود طفل لم يدرك بعدُ مرحلةً يكون فيها قادرا على العطاء.. كان جارنا يملك ضيعة كبيرة وكان من عائلة غنيّة تملك ثروة طائلة. لكنّه كان قاسي القلب لا يعرف الرّحمة. فقد حرمني من مواصلة دراستي بتعلّة أنّ الرّجل الفعليّ من اعتمد على نفسه منذ الصّغر. تألّمت في صمت، وانطويت على ذاتي في أسى لا يسعه العالم بأسره. لِمَ الّلهمّ كتبت عليّ الشّقاء وأنا البرعم الصّغير الذّي لم يستو عوده بعد؟ لِمَ إلهي حرمتني من نعمة والديّ وأنا في شديد الحاجة إليهما؟ أهو الاختبار لإيماني أم هي حكمة عميقة لم يدركها بعد رأسي الصّغير؟... دوّامة من الأفكار تهت فيها فلا مرشد, ولا يدا حانية تضمّد جراحي وتشبع ظمئي للحبّ، للحنان، للرعاية... كنت كالطّائر الجريح الذّي لا يقوى على الحركة... كنت أشعر بالهزيمة والإذلال, ولكن من أيّة معركة؟ لست أدري؟... وأية هزيمة أفضع من الشّعور بأنّ قوى خفيّة تأبى عليك السّعادة؟... لم يمض على استضافتي في بيته أسبوع واحد حتّى استكثر عليّ البقاء منعّما دون أن أبذل جهدا... فقد جاءني وابتسامة ماكرة تعلو وجهه المنتفخ كالبالون ليقول لي في صوت ناعم كنت أحسّه كالسّياط تلسعني لسعا في كلّ ذرّة في كياني, وتمزّق كبدي دون رحمة: " بنيّ، لقد آن الأوان لتخطّط لمستقبلك. سآخذك معي إلى الضّيعة وهناك ستشرف رفقة رجل طيّب على جميع أعمالنا في الضّيعة. فكن عند حسن ظنّي وحاول أن تتعلّم أصول العمل لتتسلّمه كلّه في المستقبل ..." انحدرت من عينيّ دمعتان ودّعت بهما طفولتي واستقبلت بهما رجولتي المبكّرة... كنت أعلم أنّ أندادي لا مكان لهم غير المدرسة، ولا أحضان تؤويهم غير أحضان أمّهاتهم... ولكن أنّى لي ذلك؟... جمعت إثرها شتات قوّتي وقلت له في ثقة غريبة: "كن مطمئنا يا عمّي سأتعلّم سريعا وسأكون عند حسن ظنّك فلا تخشى شيئا..."
منذ ذلك اليوم وأنا أعمل دون كلل, فقد ركّزت كلّ طاقاتي في العمل وتعلّم أصوله من العمّ سعيد ناظر الضّيعة الطيّب. كنت كالطّاحونة تدور وتدور دون تعب... كنت أعمل من مطلع الفجر إلى آخر النّهار ثمّ أضع جسمي المنهك حيثما جلست فلا أشعر بالوجود من حولي،،، كنت كمن يهرب من نفسه، من هواجسه، من واقعه المرّ,,, كنت كمن يفرّ من ظلّه حتّى لا يدرك الحقيقة... حقيقة الاستغلال والإذلال... فقد قضّيت سنوات طويلة وأنا على هذه الحال... أعترف أنّ الطّبيعة قد منحتني من حلاوتها وجمالها وشبابها الكثير. ولكنّ منتوج الضّيعة الوافر الذّي يتزايد مع كلّ سنة لم يمنحني سوى الفقر المتواصل... فأثوابي بالية لا تتجدد وحياتي خاوية لا معنى لها... أدركت الآن أنّ ثمرة سنين التّعب الطّويلة كانت تذهب كلّها إلى خزائن صاحب الضّيعة، فتزداد ثقلا بما حوته من ثروة لا يقدر على إحصائها غير الّله. وما أزداد مع الأيّام سوى شعور حادّ بالحاجة إلى مأوى نظيف لا أجده، أو لقمة طريّة لا أجد من يوفّرها، أو قلبا رؤوفا يرقّ لحالي ويقدّر جهودي... فصاحب الضّيعة لا يزداد مع الأيّام سوى لهفة على جمع المال. فلا يجد الحيلة لخلق المزيد منه بخلق المزيد من المتاعب لشقيّ مثلي. ففي كلّ موسم تراه يقترح إدخال مشروع جديد يدرّ عليه المزيد من الرّبح. فلا يجدني غير الخادم المطيع الذّي ينفّذ ما يؤمر به وكأنّه الكتاب المنزّل... سئمت يا صاحبي، أن أكون سلبيا ينفّذ ما يؤمر به وكأنّه العبد الذّليل الذي لا يملك إرادته... بتّ أطمح إلى حياة أشعر فيها بحريّتي بإنسانيّتي بقيمة ما أنتج بالتمتّع بثمار ما أنتج....
فما الحلّ في رأيك يا صديقي؟ أرجو أن تقترح عليّ أنت والأصدقاء الذين سيقرؤون قصّتي الحلّ المناسب حتّى أتجاوز أزمتي..."
2/أنا ولد فقير، يتيم الأمّ، أقطن في بيت متواضع صحبة عمّي الشرّير لأنّ أبي سافر إلى مكان بعيد بحثا عن العمل ولم يعد بعد. لم أعد أستطيع العيش، كانت عضلاتي هزيلة جدّا، كنت قصير القامة بسبب انعدام الأغذية المتوازنة.
كان عمّي رجلا شرّيرا لا يرحم، ماكرا لا تنطلي عليه حيل طفل صغير مثلي. كان يملأ بطنه الضّخم بأشهى المآكل ولا يترك لي سوى كسرة يابسة من الخبز والقليل من الماء. كان ينام وينعم بالدّفء في فراشه الوثير في حين أستلقي على بلاط يابس أرتعش من شدّة البرد. تتجمّد عروقي كلّ ليلة، وجسمي النّحيف يحاول إيجاد الدّفء دون جدوى... زاد هزالي وتفاقمت عللي غير أنّي ما فتئت أمنّي النّفس بالصّبر والثّبات لأنّه لا دوام على حال... فكنت أتشبّث بالحياة أكثر كلّما ازدادت قسوة...
لا تستغربوا أعزّائي الصّغار، كان هذا الرّجل الّذي كفلني خبيثا كالثّعلب. يستغلّ ذكاءه في الظّلم. فقد كان يستغلّني في العمل ويستحوذ على ثمرة عرقي ولا ينالني ممّا أبذله من عناء سوى الضرب والتوبيخ لادّعائه أنّ ما أحصّله من مال لا يفي حاجياتي الكثيرة التّي تكلّفه ثروة طائلة ! والحال أنّي ألبس ما يرمي به هو من ثياب ممزّقة أحاول إصلاحها بيد تفتقر المهارة والحذق فتبدو للنّاظر وكأنّها خريطة لما حوته من أشكال هندسيّة متباينة وألوان غير متناسقة أحاول أن أستر بها ما أصابها من ثقوب... أما حذائي فهو أشبه بالحذاء الطّنبوريّ لتراكم آثار إصلاح ثقبه... كنت أعمل في كافّة المجالات... قد أتسوّل في الشّوارع فأركض وراء الأغنياء علّهم يشفقون على مسكين مثلي... وقد أشتغل في رعاية الخرفان وتقديم الكلأ للأبقار في مزرعة الجار... وقد أعمل ليلا ونهارا في خدمة أصحاب المصانع... وهكذا، كانت حياتي بين المطرقة والسّندان، ذلاّ متواصلا بالنّهار والّليل... فكّرت كثيرا في الهرب والنّجاة بنفسي. لكنّني يئست . فقد كان يكلّف من يقبض عليّ. ويتفنّن عندها في تعذيبي بوحشيّة... لم أعد أحتمل الضّرب وخاصّة اللّطم... فقد كانت تصيبني حالة هستيريّة أخال فيها نفسي أهجم بعنف على معذّبي لأقتله أبشع قتلة!... ثمّ أجد نفسي قد انطويت على نفسي في حالة من الذّهول، عاجزا عن أدنى حركة، أبكي حظّي المنكود الّذي أوقعني في براثن هذا الوحش المتجبّر الذي يلبس لبوس البشر... فما الحلّ؟..

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Fourni par Blogger.