أعلان الهيدر

الرئيسية نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي: جـون لـوك- توماس هوبس - جان جاك روسو -سبينوزا

نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي: جـون لـوك- توماس هوبس - جان جاك روسو -سبينوزا


فلاسفة العقد الاجتماعي
نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي: جـون لـوك- توماس هوبس - جان جاك روسو -سبينوزا
جـون لـوك
تعد الأعمال السياسية للفيلسوف الإنجليزي جـون لـوك (1632 – 1704) من الأعمال الرائدة، والمؤسسة في الفكر السياسي الحديث. وتتأطر نظرية لوك السياسية في سياق منظومة فكرية وسياسية تجمع بين العقلانية والتجريبية، وذلك ما يجمعه بباركـلي وبنتـام وهيـوم ...الخ، وتتميز بكونها شاهدة على الثورة الإنجليزية الثانية سنة 1689م، المبشرة بالسقوط المدوي لنظرية الحكم المطلق المبني على أسس دينية لاهوتية. كما تعكس وجهة نظره في نظام الحكم، وفي الأسس التي ينبغي أن توجهه، وفي نوعية العلاقات بين الحكام والمحكومين. وقد اختلفت مواضيع هذه الأعمال الفكرية؛ حيث نجده قد كتب في إشكالية الحكم والسلطة، وقضية التسامح ومسألة الدين المسيحي وغيرها.
ما يهمنا في هذا المقال هو النظر في جانب منها فقط، نعني بذلك تصوره لمسألة السلطة وعلاقة الحكام بالمحكومين من خلال نظريته في العقد الاجتماعي. ينطلق لـوك من توصيف الحالة الطبيعية التي ينشأ في إطارها الناس قبل أن يتأطروا سياسيًا، فهم يتمتعون بمجموعة من الحقوق والحريات الطبيعية؛ مما ينشأ عنه صراعات ونزاعات بسبب افتقار الحالة الطبيعية لبعض المحددات الضرورية للعيش في إطار مجموعة بشرية، وهو يلخصها في ثلاثة محددات، وهي: غياب قانون محدد ومقبول من طرف العموم كمعيار للحكم، وغياب قاض متمكن وغير منحاز في تطبيقه للقانون، ثم غياب سلطة ذات قوة للتسيير وتنفيذ القوانين. ومن أجل تجاوز هذا الوضع والحفاظ على الحقوق وضمان الحريات الفردية والجماعية بشكل مستمر ومتواصل، ينبغي عليهم إبرام مواثيق وعقود تخول لهم الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة جديدة منظمة سياسيًا واجتماعيًا.
فحالة الطبيعة عند لـوك هي حالة حرية ومساواة، وليست حالة حرب محتملة للجميع ضد الجميع، كما اعتقد مواطنه طومـاس هوبـس؛ إنها حالة مرتبة ومنظمة عقليًا، حيث إن الاجتماع الإنساني يحكمه العقل الذي يجنب الناس التناحر فيما بينهم، كما يجعلهم يميزون بين ما يمكنهم التنازل عنه وما لا يمكنهم التنازل عنه، استنادًا إلى مبدأي الحرية والمساواة؛ فـلوك يسلم بأن كل فرد يمتلك في الحالة الطبيعية سلطتين: سلطة القيام بما يراه ضروريًا لبقائه ولبقاء الآخرين، وسلطة معاقبة كل ما يخالف القانون الطبيعي.
والانتقال من حالة الطبيعة عند لـوك إلى وضعية العقد الاجتماعي هي مسألة توليد لمفهوم السلطة السياسية المبنية على شرعية مستمدة من المجتمع المدني، والسلطة السياسية هنا تبحث عن مشروعيتها من هذا الانتقال نفسه؛ أي من نزوع المجموعة البشرية إلى ضمان الأمن والاستقرار والحفاظ على الحقوق والحريات. إن وضعية العقد الاجتماعي لا تعني سوى إضفاء الصبغة القانونية والسياسية والمؤسساتية على محددات وتجليات الحالة الطبيعية.
وإذا تساءلنا عن طبيعة هذا العقد الاجتماعي الذي يعد أساس شرعية جديدة، وتساءلنا عن الالتزامات التي يفرضها على أطرافه، يجيبنا لـوك بأنه ليس عقدًا مؤسسًا على الغلبة والقهر والاستغلال، بل هو من طبيعة العقود التي تستمد شرعيتها وقابليتها للتنفيذ من الإرادة الحرة للأفراد بناءً على قناعاتهم ومصالحهم المشتركة؛ فهو يؤسس بين الحكام والمحكومين رابطة وديعة (Trust)، وليس رابطة عقل فقط؛ حيث يجعل من السلطة وديعة في يد الحكام يسندها المجتمع المدني إليهم شرط أن يمارسوها لتحقيق الخير العام. فهذا العقد الوديعة يعد اتفاقًا ملزمًا للأفراد وللحاكم على السواء، ذلك أنه كما تنازل أفراد المجتمع عن جزء من حقوقهم وحرياتهم في مقابل ضمان تمتعهم بباقي الحقوق والحريات، أصبح ضروريًا في المقابل التزام الحاكم بالسهر على تحقيق أهداف العقد، وعلى رأسها الحق في الحياة والحرية والملكية.
والملاحظ أنه إذا كان البناء النظري لهوبـس قد تأسس على التضحية الكلية بالحقوق الطبيعية للأفراد لقاء الحصول على السلم والاستقرار، فبناء لـوك النظري يقوم، بالعكس من ذلك، على الضمانة التي يوفرها المجتمع المدني السياسي لهذه الحقوق الطبيعية؛ فبالنسبة له ليبراليًا وتجريبيًا ليس ثمة موافقة واحدة ونهائية يمنحها الشعب للحكومة باعتبارها سلطة سياسية، كما كان يتغيا ذلك هوبـس من تصوره للدولة / اللوفياتان المستبدة؛ فالموافقة هنا مشروطة دائمًا بحسن تصرف الحاكم بالسلطة حفاظاً على الحقوق الطبيعية التي لا يمكن التصرف بها. كما أن هذا العقد المؤسس للسلطة العامة في المجتمع يختلف كثيرًا عن العقد الذي كان الحقوقي والمفكر الهولندي (غروتـيوس 1583 – 1645 ) قد فكر فيه، والذي أسس القانون على طبيعة الإنسان بالذات، والطبيعة هنا بمعناها العقلاني المحض بعيدًا عن كل اعتبار أخلاقي وعرقي؛ حيث يعتبر أن موضوع القانون ومادته هو الفرد الطبيعي مثلما خلقها الله، والذي يظل كما هو مهما كانت قوة الأعراف الاجتماعية؛ فغروتيـوس يتصور عقدًا جامعًا للأفراد فيما بينهم من جهة، ويتصورهم مجتمعًا له سلطة عليا من جهة ثانية.
توماس هوبس
لقد اشتهر (توماس هوبس) 1588- 1679م في فرنسا كمنظر للقانون والسياسة يشترك في نظرية (العقد الاجتماعي) فكان يرى إن حالة الناس الأولية أي حالتهم الطبيعية لم يكن هناك أي تميز بين عدل وظلم بل كانت القوة هي معيار الحق ففي حالة الطبيعة الأولى تنعدم مفاهيم القانون والعدالة والملكية الخاصة والقوي يلحق الأذى بالضعيف ولذا فان حق الأقوى هو الحق الطبيعي الذي يعد بمثابة المبدأ الأوحد لسائر الحقوق ولايوجد خيار ثالث بين العيش من دون (سيد) في حالة الطبيعة والتمتع بالحرية والحرب وبين العيش بسلام تحت سلطة ذات سيادة .
ولذا يرى هوبس إن نظرية العقد الاجتماعي هي خطوة أساسية للانتقال من حالة الطبيعة الأولى إلى حالة المجتمع المدني فالقانون الطبيعي والعقل هو الذي يحمل البشر على التعاقد فيما بينهم وان العقد يلزم المتعاقد بالعضوية الدائمة وان مهمة المتعاقد الوحيدة هو أن يعين حاكما له سلطة وضع القوانين والفصل في المنازعات وصياغة الإحكام والحقوق والواجبات وعلى المواطن الخضوع والطاعة المطلقة له في مقابل ما يحققه له الحاكم من حماية ضد منتهكي القانون لان الحاكم يملك كل السلطات والصلاحيات لتحقيق إرادته لايمكن حماية القانون الطبيعي إلى إذا خضع الجميع لقوة مدنية تكون هي ضامنة السلام وحامية للقانون وبهذا تكون القوة في خدمة العقود ولهذا يرى هوبس إن العقد الاجتماعي (CONTRATSOCIA) هو اتفاق افتراضي بين أفراد المجتمع  وهو في حالة الطبيعة أن يعهد من شخص ومن كل مالديه من قدرات إلى الإرادة العامة التي تنظم بها حياة الكل  أما في كتابه (ليفياثان) LEVIATHAN)) فانه عبر فيه عن فلسفته السياسية هذه من منطلق إن الخوف من الموت وحده الذي يدفعنا لتشكيل المجتمع وبدون مجتمع لايوجد قانون ولا نظام ولأنهما ضروريان للعيش والازدهار يجب أن نمكن السلطة المركزية من المجتمع لان الحكم المطلق هو الضمان الوحيد للأمن والحرية مهما كانت صفته لكنه لايأخذ شرعيته إلا من هذه الصفة لا من أي سلطة إلهية مزعومة فيرى إن الفرد وحده الذات القانونية (LESUGET DUDROIT ) هو الشئ القابل للتصور إن تصور الدولة المدنية أو ظاهرة اجتماعية أو أخلاقية سيكون إذا إرجاع هذا التصور إلى الفرد بصورة ما وتحل نظرية العقد الاجتماعي هذه المشكلة بتعين أصل قانوني للمجتمع هو العقد الاجتماعي الذي يتخلى بواسطته الإفراد مصدر السيادة عن حقوقهم لتشكيل كائن جديد يستمد قوته من هذا السلطان الذي يجري التخلي عنه ولهذا فان التعاقد بين الإفراد هو أساس الاجتماع والقاعدة التي تقوم عليها الدولة ولكن هذا التعاقد لايمكن تنفيذه وتحقيقه إلا إذا خضع الجميع لفرد واحد منهم تتمثل في شخصه الدولة كلها وتكون إرادته هي القانون النافذ ففي العقد الاجتماعي يتنازل الإفراد عن حق استعمال القوة الفردية للحصول على ما يبتغيه الفرد والحرية في العمل والتصرف ليقيم بدل هذا الحق الطبيعي (القانون الطبيعي) وتنفيذ هذا القانون الذي يرتضيه الإفراد اختيارا هو (العدل) وكل مخالفة لهذا العقد (الاتفاق) بين الإفراد هو الظلم فاخذ هوبس يبحث عن الشروط العقلية التي ينبغي توفرها لكي يتحقق السلام ويقدم المجتمع المنظم المستقر فيرى إن أهم الشروط هو قيام سلطة عامة يهابها الجميع تفرض العقاب الصارم على كل من يخرج على النظام ويهدد امن الآخرين فإذا لم تكن هناك هذه السلطة تحول المجتمع إلى حالة الفوضى وهذه الفوضى يسميها هوبس ب (الوضع الطبيعي) الذي تغيب فيه السلطة وينعدم فيه القانون
ويصر هوبس على أن يكون التعهد بأحترام تنفيذ ما أتفق عليه متبادلاً بين الطرفين وهذا هو أساس فكرتي العدل والظلم عنده فالظلم هو عدم تنفيذ التعهدات أما العدل هو الوفاء بهذه الالتزامات .
فالحكم يستمد حقه في السلطة من الاتفاق الاختياري الملزم الذي يقيمه إفراد المدينة في ما بينهم ليضعوا حدا لصراعات الحق الطبيعي ليقيموا سلطة القانون الذي يؤمن لكل فرد الأمن الداخلي والسلام الخارجي فيرى هوبس انه حينما تم إقامة العقد ظهرت الحاجة إلى قوة عليا تلزم الجميع باحترام وتنفيذ بنود العقد وان لم تتوفر هذه القوة فلن يكون العقد سوى كلمات جوفاء بدون معنى واقعي  هذه القوة أو هذا الشخص المعنوي الذي تتوفر فيه كل هذه المقومات هو الدولة التي يسميها هوبس ب (العملاق العظيم) أو (التنين) وطالما هذا الكيان يتمتع بالقوة والسلطة فسوف تصبح له السيادة جميعاً
وبهذا انتهى هوبس إلى العلاج هو إيجاد مجتمع تسوده قوانين تحكم الجميع فيزول الخوف والنزاع ولا يمكن أن يوجد هذا المجتمع إلا بتخلي الإفراد عن حقوقهم الخاصة وشهواتهم الخاصة فيما يتصل بتوجيه النظام في المجتمع أي انتقال حقوق كل فرد إلى فرد واحد  فالشئ المميز لهذا العقد هو انه بين ثلاثة إطراف الطرف الأول : متعاقد فردي ، والطرف الثاني : كل إفراد المجتمع ، أما الطرف الثالث : طرف لايدخل في العقد إلا للانتفاع منه وهو عقد من نوع خاص إذ فيه يوافق الحاكم على شروط العقد لكن دون أن يلتزم بشئ تجاه الغير إن هذا العقد يلزم الفرد بالعضوية الدائمة غير القابلة للفسخ في مجتمع سياسي مهمته الأولى والوحيدة بمجرد تشكيله هي أن يعين حاكما له سلطته وضع القوانين والفصل في المنازعات وصياغة الإحكام والحقوق والواجبات وإذا ما عين الحاكم فعلى المواطنين الخضوع له والطاعة المطلقان في مقابل ما يحققه لهم الحاكم من حمايتهم ضد منتهكي القوانين وضد أعداء الوطن
جان جاك روسو
 يولد الناس أحرارا. لكنهم يعيشون طوال حياتهم فى كل مكان مكبلين بالأصفاد”! بهذه الكلمات النارية دون جان جاك روسو اشهر اعماله العقد الأجتماعي. فقد يكون الناس ملوكا ولكنهم يعيشون كالعبيد بلا حرية حقيقية! فالحرية هى أثمن ما يمتلكه الأنسان.وكون الأنسان انسانا مشروط بأن يكون حرا. فان ضاعت حريته انتهت انسانيته فى ذات اللحظة.
سبينوزا
تختلف فلسفة سبينوزا في هذه المجالات عن كل الفلسفات السابقة عليه، بل واللاحقة أيضًا، حتى ليبدو سبينوزا وكأنه يقف وحده بين مفكري العصر الحديث، ما عدا اقتراب فولتير وروسو والفلاسفة الماديين الفرنسيين في أواخر القرن الثامن عشر منه. ووجه الاختلاف أن الفلاسفة المحدثين قبل سبينوزا والمعاصرين له جروا على عادة فلاسفة العصور الوسطى في محاولاتهم التوفيق بين اللاهوت أو الدين والإيمان من جهة والعقل أو الفلسفة من جهة أخرى، وإثبات عدم تعارضهما أو تناقضهما، بحيث أصبح العقل لديهم أوليًا في إثبات صحة بعض العقائد اللاهوتية المعنية. وبذلك رأينا في العصور الوسطى سلسلة من الفلاسفة بين القديس أوغسطين في القرن السادس الميلادي والقديس توما الأكويني في القرنين الثاني عشر والثالث عشر يستخدمون حججًا عقلية في إثبات صحة اللاهوت. ولم يخرج فلاسفة الإسلام عن ذلك، إذ ظهرت في الفلسفة الإسلامية مذاهب كلامية أهمها المعتزلة والأشاعرة هدفت الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، وظهرت أيضًا فلسفات تحاول التوفيق بين العقل والنقل، أهمها محاولة ابن رشد في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال»، و«درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية. ولم يكن فلاسفة العصر الحديث استثناء في هذا الاتجاه، إذ رأينا كيف أن ديكارت يستخدم منهجاً عقلياً يبدأ بالشك كي ينتهي إلى وجود الأنا أفكر، ووجود الإله وخلود النفس، وقد سار في الاتجاه نفسه بعد سبينوزا كل من مالبرانش وباسكال من الفرنسيين ولايبنتز وكرستيان فولف من الألمان، حتى أن كانط نفسه بعد أن نقد أولاً وجود الإله وخلود النفس في «نقد العقل الخالص» عاد في «نقد العقل العملي» إلى توضيح أن الأخلاق لا يمكن أن تقوم لها قائمة دون التسليم، من باب الضرورات العملية الأخلاقية، بوجود الإله وخلود النفس.
أما سبينوزا فهو يشن عن كل هؤلاء ويقف برأيه منفردًا في القرن السابع عشر، على الرغم من تبني فولتير وروسو وكثير من الفلاسفة المعاصرين لوجهة نظره، إذ أوضح في كتابه «رسالة في اللاهوت والسياسة» أن الإيمان والفلسفة منفصلين، وأن العقل ليس خادماً للاهوت – ولكل مجال خاص يختلف عن مجال الآخر[11]. إذ يذهب إلى أن غاية الفلسفة هي الحق وحده أو الحقيقة، وغاية الإيمان هي الطاعة والتقوى وحسب. كما أن الأسس التي تقوم عليها الفلسفة هي الأفكار المشتركة أي المبادئ العامة التي تحكم الأشياء، أو القوانين الثابتة للطبيعة، وهذه نستخلصها من دراستنا للطبيعة وحدها. أما الإيمان فيتأسس على الكتب المقدسة والتسليم بواقعة الوحي، ولأن مجال الفلسفة يختلف عن مجال الإيمان، فإن التفلسف لا يضر الإيمان ولا يشكل خطرًا عليه. ولأن الإيمان يعتمد على التسليم بالوحي والكتب المقدسة، فمعنى هذا أن الإيمان في جوهره يكفل لكل فرد الحرية المطلقة في أن يتفلسف. ولأن الهدف الأساسي للإيمان هو تهذيب الأخلاق بجعل الناس يطيعون الأوامر الأخلاقية، فإنه لن يتضرر إذا لم تدعو الفلسفة إلى أي عصيان أو تعصب أو كراهية في المجتمع. والمؤمنون الحقيقيون هم أولئك الذين يدعون الناس إلى العدل والإحسان، لا اللجوء إلى حجج وبراهين عقلية لإثبات عقائد معينة. وينطلق سبينوزا في وجهة نظره هذه من مبدأ يذهب إلى أن العقائد مختلفة لدى الشعوب، وكذلك فهي تتغير وتتطور، أما الإيمان الذي يتمثل في التقوى والطاعة والدعوة إلى العدل والإحسان فثابت وغير متغير. ولذلك لا يجب أن يتدخل العقل في إثبات عقائد معينة لأن هذه ليست وظيفته، بل وظيفته الأساسية اكتشاف القوانين وإدراك نظام الطبيعة.
ويميل سبينوزا إلى الرأي القائل أن الإيمان طريق ضروري لقيادة العامة، ذلك لأن الكتاب المقدس يعتمد في نصوصه على الخيال التصويري والمجاز وضرب الأمثلة، ولغته خطابية حماسية. والجمهور لا يستطيع الوصول إلى المبادئ الأخلاقية عن طريق النظر العقلي والتفلسف والبرهان مثلما يفعل الفلاسفة[12]، ولذلك فهو في حاجة إلى من يقدم له حقائق الأخلاق بالأسلوب الخيالي والمجازي في صورة مباشرة، وعلى أنها قوانين مفروضة في صورة شريعة. ذلك لأن العامة لا يستطيعون التوصل بتفكيرهم الخاص إلى الصواب والخطأ وهم في حاجة دائمة إلى من يقودهم ويقدم لهم القواعد جاهزة، وهذا ما يوفره لهم الدين. وإذا كانت الغاية من الحياة الإنسانية هي السعادة، فإن الدين يقدم للعامة طريقًا مختصرًا وبسيطًا للوصول إليها، وهو الطاعة والخضوع والالتزام بالأوامر الإلهية، وهذا ضروري بالنسبة لهم لأن طريق النظر العقلي إلى السعادة والمتمثل في إدراك طبيعة الوجود والقانون الطبيعي الذي إذا اتفق سلوك الإنسان معه تحققت له السعادة ليس متاحًا للعامة بل هو خاص بأصحاب العقل والتفكير الفلسفي. ولذلك يذهب سبينوزا إلى ضرورة التسليم بسلطة الدين والكتب المقدسة وعدم إخضاعها للعقل، لأن هذا الإخضاع إما أن يؤدي إلى انهيار كثير من العقائد الضرورية أو يولد الاختلافات اللاهوتية والمذهبية التي يجب على الإيمان الحقيقى تجنبها، لأن هدفه النهائي ليس نظريًا بل عمليًا، ليس هدفه إثبات عقائد معينة بل هدفه التقوى والطاعة والعدل والإحسان.

Aucun commentaire:

Publier un commentaire

Fourni par Blogger.